تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الفكر في النحو — صفحة 335

مساهمون:

ص٣٣٥
الفاعل الذي كان المصدر مضافاً إلا ليدل على كون الاسم مخبراً عنه - أعني الفاعل الذي كان المصدر مضافاً إليه - ولم تختلف أبنيته بعدما اشتق من المصدر إلا لاختلاف أحوال الحدث من مضي واستقبال ، فإن كان قصد المتكلم ألا يقيد الحدث بزمان دون زمان ، ولا بحال استقبال دون حال مضي ، بل يجعله مطلقاً بلفظ الماضي الذي لا زوائد فيه ، فيكون أخف على اللسان وأقرب إلى لفظ الحدث المشتق منه ، ألا ترى أنهم يقولون : " لا أفعله ما لاح برق " و " ما طار طائر " ، بلفظ الماضي خاصة لما أرادوا مدة مطلقة غير مقيدة ، وأنه لا يفعل هذا الشيء في مدة لوح البرق وطيران الطائر ونحو ذلك ، فلم يجاوز لفظ الماضي لأنه لا يريد استقبالاً ولا حالاً على الخصوص . فإن قلت : ولا يريد أيضاً ماضياً ، فكيف جاء بلفظ الماضي ؟ . قلنا : قد قرن معه " لا أكلمه " ، فدل على أن قوله : " ما لاح برق " يريد به لوحاً قد انقضى وانقطع ، وإنما يريد مقارنة الفعل المنفي للفعل الآخر في المدة على الإطلاق والدوام ، فليس في قوله " لاح " إلا معنى اللوح خاصة ، غير أنه ترك لفظ المصدر ليكون " البرق " مخبراً به عنه كما تقدم . فإذا أردت هذا ولم ترد تقييداً بزمام فلفظ الماضي أخف وأولى . وكذلك قوله تعالى : ( سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ ) . أضاف الإنذار إلى المخاطب المخبر عنه به . فاشتق من الإنذار الفعل ليدل على أن المخاطب هو فاعل الإنذار ، وترك الفعل بلفظ الماضي لأنه مطلق في الزمان كله ، وأن القوم لم يبالوا بهذا ولا يبالون ، ولا هم في حال مبالاة ، فلم يكن لإدخال الزوائد الأربع معنى ، إذ ليس المراد تقييد الفعل بوقت ولا تخصيصه بآن . فإن قلت : لفظ الماضي تخصيصه بالانقطاع ؟ . قلنا : " حدث حديثين امرأة " ، فيما قدمناه ما يفي عن الجواب ، مع ما في قوله : ( سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ ) من ثبوت هذه الصفة فيهم وحصولها في الحال وفي المآل ، ولا تقول : سواء ثوباك أو غلاماك ، إذا كان الاستواء فيما مضى وهما الآن مختلفان . فهذه القرينة تنفي الانقطاع الذي يتوهم في لفظ المضي ، كما كان لفظ الحال في قولك : إلا أكلمه ما دامت السماوات والأرض " ينفي الانقطاع المتوهم في