تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الفكر في النحو — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
بلفظ الجمع المسلم ، إذ لا يحتاج فيه إلى بيان لفظ الفعل كما احتيج فيما قبله . ثم وصف الركع بالسجود ، ولم يعطف بالواو كما عطف ما قبله ، لأن الركع هم السجود ، والشيء لا يعطف بالواو على نفسه ، ولفائدة أخرى ، وهو أن " السجود " في الأغلب عبارة عن المصدر ، والمراد به هاهنا الجمع ، فلو عطفت بالواو لتوهم أنه يريد السجود الذي هو المصدر دون الاسم الذي هو النعت . وفائدة ثالثة ، وهو أن الراكع إن لم يسجد فليس براكع في حكم الشريعة ، فلو عطفت بالواو لتوهم أن الركوع حكم يجري على حياله . فإن قيل : فلم قال : ( السجود ) على وزن فعول ، ولم يقل السُّجَّد كما قال الرُّكَّع ، وكما قال في آية أخرى : ( رُكَّعًا سُجَّدًا ) ؟ وما الحكمة في جمع ساجد على سجود ، ولم يجمع راكع على ركوع ؟ فالجواب : أن السجود - في أصل موضوعه - عبارة عن الفعل ، وهو في معنى الخشوع والخضوع ، وهو يتناول السجود الظاهر والباطن ، ولو قال : " السُّجَّد " جمع ساجد لم يتناول إلى المعنى الظاهر . وكذلك الرُّكَّع ، ألا تراه يقول : ( تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا ) : يعني رؤية العين ، وهي لا تتعلق إلا بالظاهر ، والمقصود هاهنا الركوع الظاهر لعطفه على ما قبله مما يراد به قصد البيت ، والبيت لا يتوجه إليه إلا بالعمل الظاهر ، وأما الخشوع والخضوع الدي يتناوله لفظ الركوع ، دون لفظ الركع فليس مشروطاً بالتوجه إلى البيت . وأما السجود فمن حيث أنبأ عن المعنى الباطن ، جعل وصفاً للركع ومتمماً لمعناه ، إذ لا يصح الركوع الظاهر إلا بالسجود الباطن ، ومن حيث تناول لفظه أيضاً السجود الظاهر الذي يشترط فيه التوجه إلى البيت ، حسن انتظامه أيضاً بما قبله ، مما هو معطوف على الطائفين الدين ذكرهم بذكر البيت ، فمن لحظ هذه المعاني بقلبه ، وتدبر هذا النظم البديع بلُبِّه ، ترفع في معرفة الإعجاز عن التقليد ، وأبصر بعين اليقين أنه تنزيل من حكيم حميد .