تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الفكر في النحو — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
يهمانهم ويعنيانهم . هذا لفظ سيبويه ، وهو كلام مجمل يحتاج إلى بسط وتبيين . فيقال : متى يكون أحد الشيئين أحق بالتقديم ويكون المتكلم ببيانه أعنى ؟ والجواب : أن هذا أصل يجب الاعتناء به ، لعظم منفعته في كتاب الله تعالى . وحديث رسوله - صلى الله عليه وسلم - إذ لا بد من الوقوف على الحكمة في تقديم ما قدم في القرآن وتأخير ما أخر ، كنحو : ( السمع والبصر ) . و ( الظلمات والنور ) ، و ( الليل والنهار ) و ( الجن والإنس ) في أكثر الآي . وفي بعضها : ( الإنس والجن ) وتقديم السماء على الأرض في الذكر ، وتقديم الأرض عليها في بعض الآي ونحو قوله تعالى : ( سميع عليم ) ، ولم يجئ : ( عليم سميع ) ، وكذلك : ( عزيز حكيم ) ، و ( غفور رحيم ) ، وفي آية أخرى : ( الرَّحِيمُ الْغَفُورُ ) إلى غير ذلك مما لا يكاد ينحصر ، وليس شيء من ذلك يخلو عن فائدة وحكمة ، لأنه كلام الحكيم الخبير . وسنقدم بين يدي الخوض في هذا الغرض أصلًا يقف بك على الأصح . ويرشدك بعون الله إلى الطريق الأوضح ، فنقول : ما تقدم من الكلام فتقديمه في اللسان على حسب تقدم المعاني في الجنان . والمعاني تتقدم بأحد خمسة أشياء : إما بالزمان ، وإما بالطبع ، وإما بالرتبة ، وإما بالسبب وإما بالفضل والكمال . فإذا سبق معنى من المعاني إلى الخلد والفكر بأحد هي الأسباب الخمسة ، أو بأكثرها سبق اللفظ الدال على ذلك المعنى السابق ، وكان ترتيب الألفاظ بحسب ذلك . نعم ، وربما كان ترتيب الألفاظ بحسب الخفة والثقل لا بحسب المعنى . كقوله : ( ربيعة ومضر ) وكان تقديم مضر أولى من جهة الفضل ، ولكنهم آثروا الخفة ، لأنك لو قدمت ( مضر ) في اللفظ كثرت الحركات وتوالت ، فلما أخرت وقف عليها بالسكون . قلت : ومن هذا النحو " الجن والإنس " ، فإن الإنس أخف لفظاً لمكان النون ،