منتظمة بقوله سبحانه وتعالى : ( وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ( 66 ) .
فصارت الصيحة عبارة عن ذلك الخزي وعن العذاب المذكور في الآية ، فقوي التذكير ، بخلاف الآية الأخرى ، والله أعلم .
فإن قيل : فلم قلتم : إن التاء حرف ولم تجعلوها علامة إضمار إذا تأخرت .
وعلامة تأنيث إذا تقدمت ؟ .
قلنا : قول العرب : الهندان قامتا وفعلتا ، وبالتاء والضمير معاً ، يدل على أن
التاء حرف وليست بضمير ، إذ لا يكون للفعل ضميران فاعلان ، وهذا بين لا خفاء به وبالله التوفيق .
فإن قيل : فما الفرق بين قوله عز وحل :
( فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ) .
( وبين قوله ) : ( وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ )
حتى ثبتت التاء في إحداهما ، وحذفت في الأخرى ؟ .
قلنا : لو كان هذا السؤال في غير القرآن ما احتاج إلى جواب ، لأن الإثبات
والحذف جائزان ، فللمتكلم أن يفعل من ذلك ما شاء ، ولكن كلام ( الحكيم ) الخبير ليس كغيره من الكلام ، لإعجازه في الأسلوب والانتظام . والفرق بين الموضعين المتقدمين لائح من وجهين :
أحدهما لفظي والآخر معنوي .
أما اللفظي فهو أن الحروف الحواجز بين الفعل والفاعل في قوله :
( حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ ) أكثر منها في قوله : ( حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ) .
وقد تقدم أن الحواجز بين الفعل والفاعل ) كلما كثرت
كان حدف " التاء " أحسن -
وأما الفرق من جهة المعنى فإن ( مَنْ ) في سورة النحل واقعة على الأمة ، وهي
مؤنثة لفظاً ، ألا تراه يقول سبحانه : ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا )
ثم قال تعالى : ( وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ) .
أي : من الأمم أمم ضلت أو حقت عليها الضلالة
( ولو قال بدل ذلك : ضلت ، لتعينت التاء ، ومعنى الكلامين واحد ، وإذا
كان معنى الكلامين واحداً كان إثبات التاء أحسن من تركها ، لأنها ثابتة فيما هو في
نتائج الفكر في النحو — صفحة 132
مساهمون: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
ص١٣٢