تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح الباقي بشرح ألفية العراقي — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
وَلَمّا كَانَ هَذَا مُخالفاً لما اختاره ابنُ الصلاحِ من كونِ الجرحِ المبهمِ ، لا يقبلُ ، وَهُوَ عينُ القولِ الرابعِ ، قَالَ جَمَاعَةٌ ، مِنْهُمْ : التاجُ السبكيُّ . لَيْسَ هَذَا قولاً مستقلاً ، بَلْ تحريرٌ لمحلِّ النزاعِ ؛ إِذْ مَنْ لا يكونُ عالِماً بأسبابهِما لا يُقبلانِ مِنْهُ ، لا بإطلاقٍ ، ولا بتقييدٍ ؛ لأنَّ الحُكْمَ عَلَى الشيءِ فرعُ تصوُّرِهِ . أي : فالنِّزاعُ فِي إطلاقِ العالمِ دُوْنَ إطلاقِ غيرِهِ ، وهذا إنْ سُلِّم ، فَلا نُسلِّمُ أنَّ تقييدَ غَيْرِ العالمِ بِهما - أي : تفسيرَهُ لَهُمَا - لا يُقبلُ ( 1 ) . واختارَ شَيْخُنا : أنَّه إنْ لَمْ يَخْلُ المجروحُ عَنْ تعديلٍ ، لَمْ يقبلِ الجرحُ فِيهِ إلا مفسَّراً ، وإن خلا عَنْ ذَلِكَ ، قُبل فِيهِ مُبْهَماً إذَا صَدَرَ مِن عارِفٍ ؛ لأنَّه إذَا خَلا عَن ذَلِكَ ، فَهُوَ فِي حَيِّزِ المَجْهولِ ، وإعمالُ قولِ المجرِّح أَوْلى مِن إهمالِهِ . قَالَ : وَمَالَ ابنُ الصَّلاحِ فِي مثلِ هَذَا إلى التوقُّف . انتهى ( 2 ) . ثُمَّ بيَّنَ حكمَ تعارضِ الجرحِ والتعديلِ فِي راوٍ واحدٍ ، فَقَالَ : ( وَقَدَّمُوا ) أي : جُمْهُورُ أئمةِ الأثرِ ( الجَرْحَ ) عَلَى التعديلِ ، وإنْ كَانَ المعدِّلُ أكثرَ عَدداً ؛ لأنَّ مَعَ الجارحِ زيادةَ عِلْمٍ لَمْ يَطَّلِع عَلَيْهَا المعدِّلُ ؛ ولأنَّه مصدِّقٌ لِلمُعدِّلِ فِيْمَا أَخبرَ بِهِ مِن ظاهرِ حالِهِ ، ويخبرُ عَنْ أمرٍ باطنٍ خَفِيَ عَلَى المعدِّلِ ( 3 ) . نَعَمْ ، إن لَمْ يفسِّرِ الجرحَ ، أَوْ قَالَ المعدِّلُ : عَرفْتُ السببَ الذي ذكرَهُ الجارحُ ، لكنَّهُ تابَ مِنْهُ ، قُدِّمَ التعديلُ ، مَا لَمْ يَكُنْ فِي الكذبِ عَلَى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، كَمَا سَيأتي فِي مَحَلِّهِ . وَقَالَ ابنُ دقيقِ العيدِ فِي الأَوَّلِ ( 4 ) : الأقوى طلبُ الترجيحِ ، لأنَّ كلاً مِنْهُمَا ينفي قَوْلَ الآخر .
هامش
( 1 ) انظر : فتح المغيث 1 / 335 . ( 2 ) شرح النخبة : 193 - 194 . ( 3 ) انظر : الكفاية : ( 177 ت ، 107 ه‍ ) ، وجامع الأصول 1 / 128 ، والمحصول 2 / 201 ، وطبعة العلواني 2 / 1 / 588 ، والإحكام 2 / 317 ، وشرح التبصرة والتذكرة 2 / 28 ، وفتح المغيث 1 / 336 . ( 4 ) الاقتراح : 337 .