( وَ ) الإمامُ ( الشَّافعيُّ ) - الذي أخذَ ابنُ الصَّلاحِ من كَلامِهِ ذَلِكَ - ( بِالكِبَارِ ) مِنْهُمْ ، ( قَيَّدَا ) المُعْتَضِدَ . ( وَمَنْ ) أي : وقيَّدَهُ أَيْضاً بمَنْ ( رَوَى ) مِنْهُمْ ( عَنِ الثِّقاتِ أَبَدا ) ، بحيثُ إذَا سمَّى مَنْ روى عَنْهُ ، لَمْ يُسَمِّ مَجْهُوْلاً ، ولا مَرْغُوْباً عَنِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ ( 1 ) .
وَلاَ يَكْفِي قَولُهُ : ( ( لَمْ آخُذ إلاّ عَنِ الثِّقاتِ ) ) ، كَمَا تقدَّمتِ الإشَارةُ إِليهِ . وَلاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مُرْسَلِ سَعيدِ بنِ المسيِّبِ ، ومُرْسَلِ غَيْرِهِ .
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي " مَجْمُوْعِهِ " ( 2 ) : وَمَا اشتهرَ عِنْدَ فُقَهَاءِ أَصْحَابِنا من أنَّ مُرْسَلَ سعيدٍ حُجَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعيِّ ، لَيْسَ كَذلِكَ ، بَلْ مُرْسَلُهُ كَمُرْسَلِ غَيْرِهِ ، والشَّافِعيُّ إنَّما احْتَجَّ بمراسِيلِهِ التي اعْتَضدَتْ بِغيْرِها ، كَمَا قَالَهُ البَيْهَقِيُّ ( 3 ) والخطيبُ البغداديُّ ( 4 ) وغيرُهُما . ثُمَّ قَالَ : وأَمّا قَوْلُ القَفَّالِ : قَالَ الشَّافِعيُّ : ( ( مُرْسَلُ سَعيدٍ عِنْدَنا حُجَّةٌ ) ) فَمَحْمُولٌ عَلَى التَّفْصِيلِ ( 5 )
هامش
( 1 ) الرسالة : 463 ، وانظر شرح التبصرة والتذكرة 1 / 267 .
( 2 ) المجموع 1 / 61 .
( 3 ) عزا الحافظ العراقي في شرح التبصرة والتذكرة 1 / 265 قول البيهقيّ هذا في المدخل . ولم نجده فيه ، ولعله مما سقط منه .
( 4 ) الكفاية : ( 572 ت ، 405 ه ) .
( 5 ) قال الإمام النوويّ : ( ( اشتهر عند فقهاء أصحابنا أنّ مرسل سعيد بن المسيّب حجّة عند الشافعيّ ، حتى أنّ كثيراً منهم لا يعرفون غير ذلك ، وليس الأمر على ذلك ، وإنّما قال الشافعي - رحمه الله - في مختصر المزني : وإرسال سعيد بن المسيب عندنا حسنٌ ، فذكر صاحب المهذب وغيره من أصحابنا في أصول الفقه في معنى كلامه وجهين لأصحابه .
منهم من قال : مراسيله حجة لأنّها فتشت فوجدت مسانيد .
ومنهم من قال : ليست بحجة عنده بل هي كغيرها على ما نذكره ، وإنّما رجّح الشافعي به والترجيح بالمرسل صحيح . وحكى الخطيب أبو بكر هذين الوجهين لأصحاب الشافعي ، ثم قال : الصحيح من القولين عندنا الثاني ؛ لأنّ في مراسيل سعيد مَا لَمْ يوجد مسنداً بحال من وجهٍ يصحّ ، وقد جعل الشّافعيّ لمراسيل كبار التابعين مزية على غيرهم كما استحسن مرسل سعيد .
وروى البيهقي في مناقبه بإسناده عن الشافعي كلاماً طويلاً ، حاصله : أنّه يقبل مرسل التابعي إذا أسنده حافظ غيره أو أرسله من أخذ عن غير رجال الأول أو كان يوافق قول بعض الصحابة ، أو أفتى عوام أهل العلم بمعناه . =