ولقد أحسنَ ابنُ دقيقِ العيد ، بقولِهِ : ( ( أعراضُ المسلمينَ ( 1 ) حفرةٌ من حُفَرِ النارِ ، وقف على شفيرِها طائفتانِ مِنَ النَّاسِ : المُحَدِّثونَ ، والحُكَّامُ ) ) ( 2 ) .
( وَمَعَ ذَا ) أي : كونِ الجَرْح خطراً فلابدَّ مِنْهُ ، ( فَالنُّصْحُ ) في الدينِ ( حقٌ ) واجبٌ ، وذلِكَ لحفظِ الحقوقِ مِن الدِّماءِ والأموالِ والأعراضِ وسائرِ الحقوقِ ، ولكون ذَلِكَ نصيحةً لا يعدُّ غيبَةً .
نعم : لا يجوزُ التجريحُ بشيئينِ إذا حصلَ الغرضُ بواحدٍ ( 3 ) .
( وَلَقدْ أَحْسنَ ) الإمامُ ( يَحْيَى ) بنُ سعيدٍ القطانُ ( في جوابِهِ ) ، لأبي بكرِ بنِ خَلاّدٍ حين قَالَ لهُ : أما تخشى أنْ يكونَ هؤلاءِ الذين تركْتَ حديثَهُم خصماءَ ك عندَ اللهِ يومَ القيامةِ ؟ ( وَسَدْ ) - بفتح أولهِ - أي : وُفِّقَ للسدادِ ، وَهُوَ الصوابُ ، والقصدُ من القولِ والعملِ ، بقوله : ( لأن يكونوا خصماءَ لي ، أحبْ ) إليَّ ( مِن كونِ خصمِي المصطفى ) - صلى الله عليه وسلم - ، ( إذ لَمْ أَذُبْ ) - بمعجمةٍ مضمومةٍ - أي : أمنعَ الكذبَ عَن حديثِهِ ( 4 ) .
ثُمَّ مِنَ المتَصدّينَ لِذَلِكَ ، مَنْ يشدِّدُ في التجريحِ ، ومِنْهم مَنْ يتسمَّحُ فيهِ ، ومنهم من يعتدِلُ فيه ( و ) مع ذلك ( رُبَّما رُدَّ كَلامُ الجارحِ ) مع جلالتِهِ وأمانتِهِ لتحامُلِهِ ، ( كَالنَّسَئِيْ ) - بالإسكان لما مر - ( في ) تجريحِهِ لأبي جعفرٍ ( أحمدَ بنِ صالحِ ) الْمِصْريِّ ، بقولِهِ : ( ( لَيْسَ بثقةٍ ، ولا مأمونٍ . قال ابنُ معينٍ : إنه كذابٌ يتفَلْسَفُ ) ) ( 5 ) .
فإنَّهُ كَمَا قَالَ أبو يَعلى الخَلِيْليُّ : ( ( مِمَّنِ اتفقَ الحفَّاظُ على أنَّ كلامَ النَّسائيِّ فيهِ تحامُلٌ ) ) . قَالَ : ( ( ولا يقدحُ كلامُ أمثالِهِ فيِهِ ) ) ( 6 ) . وَقَالَ الذهبيُّ : ( ( إنه آذى نفسَهُ بكلامِهِ فيه ) ) ( 7 ) .
هامش
( 1 ) في ( م ) : ( ( المسلم ) ) .
( 2 ) الاقتراح : 344 .
( 3 ) انظر : الرفع والتكميل : 56 فما بعدها .
( 4 ) أخرجه ابن عدي في مقدمة الكامل 1 / 186 ، والخطيب في الكفاية ( 90 ت ، 44 ه ) .
( 5 ) الضعفاء والمتروكون للنسائي ( 69 ) ، وفيه : ( ( ليس بثقة ) ) .
( 6 ) الإرشاد 1 / 424 .
( 7 ) الميزان 1 / 103 الترجمة ( 406 ) .