تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي ) — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
مَضَتْ مُدَّةٌ يَمُوتُ مِثْلُهُ فِيهَا غَالِبًا بِالْجُوعِ أَوِ الْعَطَشِ ، وَجَبَ الْقِصَاصُ ، وَتَخْتَلِفُ الْمُدَّةُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْمَحْبُوسِ قُوَّةً وَضَعْفًا ، وَالزَّمَانِ حَرًّا وَبَرْدًا ، وَإِنْ لَمْ تَمْضِ هَذِهِ الْمُدَّةُ ، وَمَاتَ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ جُوعٌ أَوْ عَطَشٌ سَابِقٌ ، فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ ، وَإِنْ كَانَ بِهِ بَعْضُ جُوعٍ أَوْ عَطَشٍ ، فَفِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : أَظْهَرُهَا : أَنَّهُ إِنْ عَلِمَ الْحَابِسُ جُوعَهُ السَّابِقَ ، لَزِمَهُ الْقِصَاصُ ، وَإِلَّا فَلَا ، وَالثَّانِي : يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الْحَالَيْنِ ، وَالثَّالِثُ : عَكْسُهُ ، وَشَبَّهُوا الْجَاهِلَ بِمَنْ دَفَعَ رَجُلًا دَفْعًا خَفِيفًا ، فَسَقَطَ عَلَى سِكِّينٍ وَرَاءَهُ ، وَالدَّافِعُ جَاهِلٌ بِهَا ، لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ ، فَإِنْ أَوْجَبْنَا الْقِصَاصَ وَجَبَتْ دِيَةُ عَمْدٍ بِكَمَالِهَا إِنْ كَانَ عَالِمًا ، وَدِيَةُ شِبْهِ عَمْدٍ إِنْ كَانَ جَاهِلًا ، وَإِنْ لَمْ نُوجِبِ الْقِصَاصَ ، فَقَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : تَجِبُ الدِّيَةُ بِكَمَالِهَا ، وَإِنَّمَا سَقَطَ الْقِصَاصُ لِلشُّبْهَةِ ، وَأَظْهَرُهُمَا وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ : تَجِبُ نِصْفُ دِيَةِ الْعَمْدِ أَوْ شِبْهِ الْعُمَدِ . وَلَوْ مَنَعَهُ الشَّرَابَ دُونَ الطَّعَامِ ، فَلَمْ يَأْكُلِ الْمَحْبُوسُ خَوْفًا مِنَ الْعَطَشِ ، فَمَاتَ ، فَلَا قِصَاصَ قَطْعًا ، وَلَا ضَمَانَ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ ، وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ ، لِأَنَّهُ الْمُهْلِكُ نَفْسَهُ ، وَقَالَ الْقَفَّالُ : يَجِبُ ، وَلَوْ حَبَسَهُ ، وَرَاعَاهُ بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ ، فَمَاتَ فِي الْحَبْسِ ، فَإِنْ كَانَ عَبْدًا ، ضَمِنَهُ بِالْيَدِ ، وَإِنْ كَانَ حُرًّا ، فَلَا ضَمَانَ أَصْلًا ، سَوَاءٌ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ ، أَوْ بِانْهِدَامِ سَقْفٍ أَوْ جِدَارٍ عَلَيْهِ ، أَوْ بِلَسْعِ حَيَّةٍ وَنَحْوِهَا . وَلَوْ حَبَسَهُ وَعَرَّاهُ حَتَّى مَاتَ بِالْبَرْدِ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ حَبَسَهُ ، وَمَنَعَهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ . وَلَوْ أَخَذَ طَعَامَهُ ، أَوْ شَرَابَهُ ، أَوْ ثِيَابَهُ فِي مَفَازَةٍ ، فَمَاتَ جُوعًا ، أَوْ عَطَشًا ، أَوْ بَرْدًا ، فَلَا ضَمَانَ ، لِأَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ صُنْعًا . فَرْعٌ لَوْ سَحَرَ رَجُلًا ، فَمَاتَ ، سَأَلْنَاهُ ، فَإِنْ قَالَ : قَتَلْتُهُ بِسِحْرِي ، وَسِحْرِي يَقْتُلُ غَالِبًا ، لَزِمَهُ الْقِصَاصُ ، وَإِنْ قَالَ : قَدْ يَقْتُلُ ، وَالْغَالِبُ أَنَّهُ لَا يَقْتُلُ ، فَهُوَ