تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي ) — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
ضَرَبَ كُوعَهُ بِعَصًا ، فَتَوَرَّمَ الْمَوْضِعُ ، وَدَامَ الْأَلَمُ حَتَّى مَاتَ ، فَقَدْ عَلِمْنَا حُصُولَ الْمَوْتِ بِهِ وَلَا قِصَاصَ فِيهِ ، بَلْ تَجِبُ الدِّيَةُ ، وَعَلَى الثَّانِي بِأَنَّ الْعَمْدِيَّةَ أَمْرٌ حِسِّيٌّ لَا يَخْتَلِفُ بِالْجَارِحِ وَالْمُثْقِلِ ، وَكَمَا يُؤَثِّرُ الْجَارِحُ فِي الظَّاهِرِ بِالشَّقِّ يُؤَثِّرُ الْمُثْقِلُ فِي الْبَاطِنِ بِالتَّرْضِيضِ ، وَفِي كَلَامِ الْإِمَامِ نَحْوُ هَذَا ، وَالْوَجْهُ الثَّالِثِ وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ : أَنَّ لِإِفْضَاءِ الْفِعْلِ إِلَى الْهَلَاكِ ثَلَاثُ مَرَاتِبَ : غَالِبٌ وَكَثِيرٌ وَنَادِرٌ ، وَالْكَثِيرُ : هُوَ الْمُتَوَسِّطُ بَيْنَ الْغَالِبِ وَالنَّادِرِ ، وَمِثَالُهُ ، الصِّحَّةُ وَالْمَرَضُ وَالْجُذَامُ ، فَالصِّحَّةُ هِيَ الْغَالِبَةُ فِي النَّاسِ ، وَالْمَرَضُ كَثِيرٌ لَيْسَ بِغَالِبٍ ، وَالْجُذَامُ نَادِرٌ ، فَإِنْ ضَرَبَهُ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا ، جَارِحًا كَانَ أَوْ مُثْقِلًا ، فَعَمْدٌ ، وَإِنْ كَانَ يَقْتُلُ كَثِيرًا فَهُوَ عَمْدٌ إِنْ كَانَ جَارِحًا كَالسِّكِّينِ الصَّغِيرِ ، وَإِنْ كَانَ مُثْقِلًا ، كَالسَّوْطِ وَالْعَصَا ، فَشِبْهُ عَمْدٍ ، وَإِنْ كَانَ يَقْتُلُ نَادِرًا ، فَلَا قِصَاصَ ، مُثْقِلًا كَانَ أَوْ جَارِحًا ، كَغَرْزِ إِبْرَةٍ لَا يَعْقُبُهُ أَلَمٌ وَلَا وَرَمٌ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْجَارِحِ وَالْمُثْقِلِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ الْجِرَاحَةَ لَهَا أَثَرٌ فِي الْبَاطِنِ قَدْ يَخْفَى ، وَلِأَنَّ الْجُرْحَ وَهُوَ طَرِيقُ الْإِهْلَاكِ غَالِبًا بِخِلَافِ الْمُثْقِلِ ، وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ وَهُوَ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ ، أَنَّهُ إِنْ ضَرَبَهُ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا ، فَعَمْدٌ مَحْضٌ ، وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ غَالِبًا ، فَشِبْهُ عَمْدٍ ، فَهَذِهِ عِبَارَاتُ الْأَصْحَابِ فِي التَّمْيِيزِ ، وَالْقِصَاصُ مُخْتَصٌّ بِالْعَمْدِ الْمَحْضِ دُونَ الْخَطَأِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ . فَرْعٌ جَرَحَهُ بِمُحَدَّدٍ مِنْ حَدِيدٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ قَصَبٍ أَوْ زُجَاجٍ أَوْ نُحَاسٍ أَوْ غَيْرِهَا ، فَمَاتَ فِي الْحَالِ أَوْ بَعْدَ مُدَّةٍ بِسِرَايَةِ تِلْكَ الْجِرَاحَةِ وَجَبَ الْقِصَاصُ . وَالطَّعْنُ بِالسِّنَانِ ، وَغَرْزُ الْمِسَلَّةِ كَالضَّرْبِ بِالسَّيْفِ ، وَهَذَا فِي الْجِرَاحَاتِ الَّتِي لَهَا تَأْثِيرٌ ، فَأَمَّا إِبَانَةُ فِلْقَةٍ مِنَ اللَّحْمِ خَفِيفَةٍ فَهُوَ كَغَرْزِ الْإِبْرَةِ كَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ ، وَإِذَا غَرَزَ إِبْرَةً فَمَاتَ ، نُظِرَ ؛ إِنْ غَرَزَهَا