الْأَوْصَافِ يَعْسُرُ ، فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِالْعَدَدِ ، وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي عَكْسِهِ ، وَهُوَ فِرَارُ مِائَةٍ مِنْ ضُعَفَائِنَا مِنْ مِائَةٍ وَتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ مِنْ ضُعَفَائِهِمْ ، فَإِنِ اعْتَبَرْنَا الْعَدَدَ ، لَمْ يَجُزْ ، وَإِنِ اعْتَبَرْنَا الْمَعْنَى ، جَازَ ، وَإِذَا جَازَ الْفِرَارُ ، نُظِرَ إِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ أَنَّهُمْ إِنْ ثَبَتُوا ظَفِرُوا ، اسْتُحِبَّ الثَّبَاتُ ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمُ الْهَلَاكُ ، فَفِي وُجُوبِ الْفِرَارِ وَجْهَانِ ، وَقَالَ الْإِمَامُ : إِنْ كَانَ فِي الثَّبَاتِ الْهَلَاكُ الْمَحْضُ مِنْ غَيْرِ نِكَايَةٍ ، وَجَبَ الْفِرَارُ قَطْعًا ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ نِكَايَةٌ فَوَجْهَانِ .
قُلْتُ : هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ هُوَ الْحَقُّ ، وَأَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ ، أَنَّهُ لَا يَجِبُ ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فَرْعٌ
لَقِيَ مُسْلِمٌ مُشْرِكَيْنِ ، إِنْ طَلَبَاهُ ، فَلَهُ الْفِرَارُ ، وَإِنْ طَلَبَهُمَا وَلَمْ يَطْلُبَاهُ ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يُوَلِّيَ بَعْدَ ذَلِكَ ؟ وَجْهَانِ ، أَصَحُّهُمَا : نَعَمْ ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْجِهَادِ وَالثَّبَاتِ إِنَّمَا هُوَ فِي الْجَمَاعَةِ ، وَلَوْ وَلَّى النِّسَاءُ ، لَمْ يَأْثَمْنَ ، فَلَسْنَ مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الْجِهَادِ ، نُصَّ عَلَيْهِ ، كَمَا لَا إِثْمَ عَلَى صَبِيٍّ وَمَغْلُوبٍ عَلَى عَقْلِهِ إِذَا وَلَّيَا ، وَيَأْثَمُ السَّكْرَانُ . وَلَوْ قَصَدَ الْكُفَّارُ بَلَدًا ، فَتَحَصَّنَ أَهْلُهُ إِلَى أَنْ يَجِدُوا قُوَّةً وَمَدَدًا ، لَمْ يَأْثَمُوا ، إِنَّمَا الْإِثْمُ عَلَى مَنْ وَلَّى بَعْدَ اللِّقَاءِ .
قُلْتُ : قَالَ صَاحِبَا « الْحَاوِي » وَ « الْبَحْرِ » : تَجُوزُ الْهَزِيمَةُ مِنْ أَكْثَرَ مِنَ الْمِثْلَيْنِ ، وَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ فُرْسَانًا وَالْكُفَّارُ رَجَّالَةً ، وَتَحْرُمُ الْهَزِيمَةُ مِنَ الْمِثْلَيْنِ وَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ رَجَّالَةً وَالْكُفَّارُ فُرْسَانًا ، وَهَذَا الَّذِي قَالَاهُ فِيهِ نَظَرٌ ، وَيُمْكِنُ تَخْرِيجُهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ السَّابِقَيْنِ فِي أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْمَعْنَى أَمْ بِالْعَدَدِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي ) — صفحة 249
مساهمون: النووي
ص٢٤٩