تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي ) — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ ، وَلَا يَسْقُطُ عَنِ الْمُكَلَّفِ لِكَوْنِهِ يَظُنُّ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ ، أَوْ يَعْلَمُ بِالْعَادَةِ أَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ كَلَامُهُ ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ ، فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَلَيْسَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ، بَلْ وَاجِبُهُ أَنْ يَقُولَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ ) قَالُوا : وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ : أَنْ يَرَى مَكْشُوفَ بَعْضِ عَوْرَتِهِ فِي حَمَّامٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْآمِرِ وَالنَّاهِي كَوْنُهُ مُمْتَثِلًا مَا يَأْمُرُ بِهِ ، مُجْتَنِبًا مَا يَنْهَى عَنْهُ ، بَلْ عَلَيْهِ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ ، وَفِي حَقِّ غَيْرِهِ ، فَإِنْ أَخَلَّ بِأَحَدِهِمَا ، لَمْ يَجُزِ الْإِخْلَالُ بِالْآخَرِ ، وَلَا يَخْتَصُّ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ بِأَصْحَابِ الْوِلَايَاتِ وَالْمَرَاتِبِ ، بَلْ ذَلِكَ ثَابَتٌ لِآحَادِ الْمُسْلِمِينَ وَوَاجِبٌ عَلَيْهِمْ ، قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ : وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنَّ غَيْرَ الْوُلَاةِ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ كَانُوا يَأْمُرُونَ الْوُلَاةَ وَيَنْهَوْنَهُمْ مَعَ تَقْرِيرِ الْمُسْلِمِينَ إِيَّاهُمْ وَتَرْكِ تَوْبِيخِهِمْ عَلَى التَّشَاغُلِ بِذَلِكَ بِغَيْرِ وِلَايَةٍ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ : « مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ » قَالَ أَصْحَابُنَا : وَإِنَّمَا يَأْمُرُ وَيَنْهَى مَنْ كَانَ عَالِمًا بِمَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْأَشْيَاءِ ، فَإِنْ كَانَ مِنَ الْوَاجِبَاتِ الظَّاهِرَةِ ، وَالْمُحَرَّمَاتِ الْمَشْهُورَةِ ، كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالزِّنَى وَالْخَمْرِ وَنَحْوِهَا ، فَكُلُّ الْمُسْلِمِينَ عُلَمَاءُ بِهَا ، وَإِنْ كَانَ مِنْ دَقَائِقِ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ ، وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالِاجْتِهَادِ ، لَمْ يَكُنْ لِلْعَوَامِّ الِابْتِدَاءُ بِإِنْكَارِهِ ، بَلْ ذَلِكَ لِلْعُلَمَاءِ ، وَيَلْتَحِقُ بِهِمْ مَنْ أَعْلَمَهُ الْعُلَمَاءُ بِأَنَّ ذَلِكَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ، ثُمَّ الْعُلَمَاءُ إِنَّمَا يُنْكِرُونَ مَا أُجْمِعَ عَلَى إِنْكَارِهِ ، أَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ فَلَا إِنْكَارَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ ، أَوِ الْمُصِيبُ وَاحِدٌ وَلَا نَعْلَمُهُ ، وَلَا إِثْمَ عَلَى الْمُخْطِئِ ، لَكِنْ إِنْ نَدَبَهُ عَلَى جِهَةِ النَّصِيحَةِ إِلَى الْخُرُوجِ مِنَ الْخِلَافِ ، فَهُوَ حَسَنٌ مَحْبُوبٌ ، وَيَكُونُ بِرِفْقٍ ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ مُتَّفِقُونَ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْخُرُوجِ مِنَ الْخِلَافِ إِذَا لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ إِخْلَالٌ بِسُنَّةٍ
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي ) — صفحة 219 | النووي / زهير الشاويش