تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي ) — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
ثَابِتَةٍ ، أَوْ وُقُوعٌ فِي خِلَافٍ آخَرَ ، وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ خِلَافًا فِي أَنَّ مَنْ قَلَّدَهُ السُّلْطَانُ الْحِسْبَةَ ، هَلْ لَهُ حَمْلُ النَّاسِ عَلَى مَذْهَبِهِ فِيمَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ إِذَا كَانَ الْمُحْتَسِبُ مُجْتَهِدًا أَمْ لَيْسَ لَهُ تَغْيِيرُ مَا كَانَ عَلَى مَذْهَبِ غَيْرِهِ ؟ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ تَغْيِيرُهُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَلَمْ يَزَلِ الْخِلَافُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي الْفُرُوعِ ، وَلَا يُنْكِرُ أَحَدٌ عَلَى غَيْرِهِ مُجْتَهَدًا فِيهِ ، وَإِنَّمَا يُنْكِرُونَ مَا خَالَفَ نَصًّا ، أَوْ إِجْمَاعًا ، أَوْ قِيَاسًا جَلِيًّا . وَأَمَّا صِفَةُ النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَمَرَاتِبُهُ ، فَضَابِطُهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ » فَعَلَيْهِ أَنْ يُغَيِّرَ بِكُلِّ وَجْهٍ أَمْكَنَهُ ، وَلَا يَكْفِي الْوَعْظُ لِمَنْ أَمْكَنَهُ إِزَالَتَهُ بِالْيَدِ ، وَلَا تَكْفِي كَرَاهَةُ الْقَلْبِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى النَّهْيِ بِاللِّسَانِ ، وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ ، صِفَةُ كَسِرِّ الْمَلَاهِي وَجُمْلَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمُنْكَرَاتِ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَرْفُقَ فِي التَّغْيِيرِ بِالْجَاهِلِ وَبِالظَّالِمِ الَّذِي يَخَافُ شَرَّهُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَدْعَى إِلَى قَبُولِ قَوْلِهِ ، وَإِزَالَةِ الْمُنْكَرِ ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى مَنْ يَسْتَعِينُ بِهِ وَلَمْ يُمْكِنْهُ الِاسْتِقْلَالُ ، اسْتَعَانَ مَا لَمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ إِلَى إِظْهَارِ سِلَاحٍ وَحَرْبٍ ، فَإِنْ عَجَزَ ، رَفَعَ ذَلِكَ إِلَى صَاحِبِ الشَّوْكَةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي كِتَابِ الصِّيَالِ ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ كُلِّ ذَلِكَ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَكْرَهَهُ بِقَلْبِهِ ، قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ : وَلَيْسَ لِلْآمِرِ وَالنَّاهِي الْبَحْثُ وَالتَّنْقِيبُ وَالتَّجَسُّسُ وَاقْتِحَامُ الدُّورِ بِالظُّنُونِ ، بَلْ إِنْ رَأَى شَيْئًا غَيَّرَهُ ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْمُحْتَسِبِ أَوْ غَيْرِهِ اسْتِسْرَارُ قَوْمٍ بِالْمُنْكَرِ بِأَمَارَةٍ وَآثَارٍ ظَهَرَتْ ، فَذَلِكَ ضَرْبَانِ ، أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ فِيهِ انْتِهَاكُ حُرْمَةٍ يَفُوتُ تَدَارُكُهَا ، بِأَنْ يُخْبِرَهُ مَنْ يَثِقُ بِصِدْقِهِ أَنَّ رَجُلًا خَلَا بِرَجُلٍ لِيَقْتُلَهُ ، أَوْ بِامْرَأَةٍ لِيَزْنِيَ بِهَا ، فَيَجُوزُ التَّجَسُّسُ وَالْإِقْدَامُ عَلَى الْكَشْفِ وَالْإِنْكَارِ ، وَالثَّانِي : مَا قَصَرَ عَنْ هَذِهِ الرُّتْبَةِ ، فَلَا يَجُوزُ فِيهِ الْكَشْفُ وَالتَّجَسُّسُ .