مِنْ أَعْيَانِ الْمُسْتَفْتِينَ كَالْحَاكِمِ . وَاحْتَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَاتِمٍ الْقَزْوِينِيُّ فِي حِيلَةٍ ، فَقَالَ : يَقُولُ لِلْمُسْتَفْتِي : يَلْزَمُنِي أَنْ أُفْتِيَكَ قَوْلًا ، وَلَا يَلْزَمُنِي أَنْ أَكْتُبَ لَكَ ، فَإِنِ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى الْكِتَابَةِ جَازَ ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنَ الْأُجْرَةِ إِلَّا قَدْرَ أُجْرَةِ كِتَابَةِ ذَلِكَ الْقَدْرِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فَتْوًى ، لِئَلَّا يَكُونَ آخِذًا زِيَادَةً بِسَبَبِ الْإِفْتَاءِ . قَالَ الصَّيْمَرِيُّ وَالْخَطِيبُ وَغَيْرُهُمَا : وَلَوِ اجْتَمَعَ أَهْلُ الْبَلَدِ عَلَى أَنْ جَعَلُوا لَهُ رِزْقًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ لِيَتَفَرَّغَ لِفَتَاوِيهِمْ ، جَازَ .
وَأَمَّا الْهَدِيَّةُ ، فَقَالَ أَبُو الْمُظَفَّرِ السَّمْعَانِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا : وَيَجُوزُ لَهُ قَبُولُهَا بِخِلَافِ الْحَاكِمِ ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ حُكْمُهُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو : وَيَنْبَغِي أَنْ يُحَرَّمَ قَبُولُهَا إِنْ كَانَتْ رِشْوَةً عَلَى أَنْ يُفْتِيَهُ بِمَا يُرِيدُ ، كَمَا فِي الْحَاكِمِ وَسَائِرِ مَا لَا يُقَابَلُ بِالْأَعْوَاضِ .
قَالَ الْخَطِيبُ : وَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَفْرِضَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِمَنْ نَصَّبَ نَفْسَهُ لِتَدْرِيسِ الْعِلْمِ أَوْ لِلْفَتْوَى فِي الْأَحْكَامِ مَا يُغْنِيهِ عَنِ التَّكَسُّبِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُفْتِيَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَلْفَاظِ كَالْأَيْمَانِ وَالْإِقْرَارِ وَالْوَصَايَا وَنَحْوِهَا ، إِلَّا إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ بَلَدِ اللَّافِظِ أَوْ نَازِلًا مَنْزِلَتَهُمْ فِي الْخِبْرَةِ بِمُرَادِهِمْ فِي الْعَادَةِ ، وَلَيْسَ لِلْمُفْتِي وَالْعَامِلِ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ فِي الْمَسْأَلَةِ ذَاتِ الْوَجْهَيْنِ أَوِ الْقَوْلَيْنِ أَنْ يُفْتِيَ أَوْ يَعْمَلَ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ ، بَلْ عَلَيْهِ فِي الْقَوْلَيْنِ أَنْ يَعْمَلَ بِالْمُتَأَخِّرِ مِنْهُمَا إِنْ عَلِمَهُ ، وَإِلَّا فَبِالَّذِي رَجَّحَهُ الشَّافِعِيُّ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَجَّحَ أَحَدَهُمَا . وَلَا عَلِمَ السَّابِقَ ، لَزِمَهُ الْبَحْثُ عَنْ أَرْجَحِهِمَا ، فَيَعْمَلُ بِهِ ، فَإِنْ كَانَ أَهْلًا لِلتَّرْجِيحِ ، اشْتَغَلَ بِهِ مُتَعَرِّفًا ذَلِكَ مِنْ نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ وَمَآخِذِهِ وَقَوَاعِدِهِ ، وَإِلَّا فَلْيَنْقُلْهُ عَنِ الْأَصْحَابِ الْمَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ ، فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ تَرْجِيحٌ بِطَرِيقٍ ، تَوَقَّفَ .
وَأَمَّا الْوَجْهَانِ فَيَتَعَرَّفُ أَرْجَحُهُمَا بِمَا سَبَقَ إِلَّا أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِالتَّأَخُّرِ إِلَّا إِذَا وَقَعَا مِنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ ، وَإِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مَنْصُوصًا لِلشَّافِعِيِّ ، وَالْآخِرُ مُخَرَّجًا ، فَالْمَنْصُوصُ هُوَ
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي ) — صفحة 111
مساهمون: النووي
ص١١١