تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي ) — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
يَسْتَفْتِيَ فِيهَا . وَيَلْتَحِقُ بِهِ الْمُتَصَرِّفُ الْبَحَّاثُ فِي الْفِقْهِ مِنْ أَئِمَّةِ الْخِلَافِ وَفُحُولِ الْمُنَاظِرِينِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِإِدْرَاكِ حُكْمِ الْوَاقِعَةِ اسْتِقْلَالًا ، لِقُصُورِ آلَتِهِ ، وَلَا مِنْ مَذْهَبِ إِمَامٍ لِعَدَمِ حِفْظِهِ لَهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَبَرِ . وَإِذَا اسْتَفْتَى الْعَامِّيُّ عَمَّا لَمْ يَقَعْ ، لَمْ يَجِبْ جَوَابُهُ وَلَا يَجُوزُ لِلْمُفْتِي أَنْ يَتَسَاهَلَ فِي فَتْوَاهُ ، وَمَنْ عُرِفَ بِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُسْتَفْتَى ، وَتَسَاهُلُهُ قَدْ يَكُونُ بِأَنْ لَا يَتَثَبَّتَ وَيُسْرِعَ بِالْجَوَابِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْفِكْرِ وَالنَّظَرِ ، فَإِنْ تَقَدَّمَتْ مَعْرِفَتُهُ بِالْمَسْئُولِ عَنْهُ ، فَلَا بَأْسَ بِالْإِسْرَاعِ ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا نُقِلَ عَنِ الْمَاضِينَ مِنَ الْمُسَارَعَةِ ، وَقَدْ يَكُونُ تَسَاهُلُهُ بِأَنْ تَحْمِلَهُ أَغْرَاضٌ فَاسِدَةٌ عَلَى تَتَبُّعِ الْحِيَلِ الْمُحَرَّمَةِ الْمَكْرُوهَةِ ، وَالتَّمَسُّكِ بِالشُّبْهَةِ طَلَبًا لِلتَّرْخِيصِ عَلَى مَنْ يَرُومُ نَفْعَهُ ، أَوِ التَّغْلِيظِ عَلَى مَنْ يَرُومُ ضُرَّهُ ، وَمَنْ فَعَلَ هَذَا فَلَا وُثُوقَ بِهِ . وَأَمَّا إِذَا صَحَّ قَصْدُهُ ، فَاحْتَسَبَ فِي طَلَبِ حِيلَةٍ لَا شُبْهَةَ فِيهَا ، وَلَا تَجُرُّ إِلَى مَفْسَدَةٍ ، لِيُخَلِّصَ بِهَا الْمُسْتَفْتِيَ مِنْ وَرِيطَةِ يَمِينٍ وَنَحْوِهَا ، فَذَلِكَ حَسَنٌ ، وَعَلَّهُ يَحْمِلُ [ مَا جَاءَ ] عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ مِنْ هَذَا . وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُفْتِيَ فِي كُلِّ حَالٍ تُغَيِّرُ خُلُقَهُ وَتَشْغَلُ قَلْبَهُ وَتَمْنَعُهُ التَّثَبُّتَ وَالتَّأَمُّلَ ؛ كَحَالَةِ الْغَضَبِ أَوِ الْجُوعِ أَوِ الْعَطَشِ وَالْحُزْنِ وَالْفَرَحِ الْغَالِبِ ، وَالنُّعَاسِ ، وَالْمَلَالَةِ ، وَالْمَرَضِ الْمُقْلِقِ ، وَالْحَرِّ الْمُزْعِجِ ، وَمُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَمَتَى أَحَسَّ بِشُغْلِ قَلْبِهِ وَخُرُوجِهِ عَنْ الِاعْتِدَالِ ، لَمْ يُفْتِ ، فَإِنْ أَفْتَى فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَحْوَالِ وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ إِدْرَاكِ الصَّوَابِ ، صَحَّتْ فَتْوَاهُ ، وَإِنْ كَانَ مُخَاطِرًا . وَالْأَوْلَى لِلْمُتَصَدِّي لِلْفَتْوَى أَنْ يَتَبَرَّعَ بِذَلِكَ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ رِزْقًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إِلَّا إِذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ وَلَهُ كِفَايَةٌ ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ . ثُمَّ إِنْ كَانَ لَهُ رِزْقٌ لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ أُجْرَةٍ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رِزْقٌ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُ أُجْرَةٍ