تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي ) — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
الْعَوْدِ ، وَطَرِيقُهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَسْأَلَ الْعُلَمَاءَ الْمَشْهُورِينَ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ عَنْ حَالِهِ ، وَيَعْتَمِدُ خَبَرَهُمْ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُفْتِي مَعَ شُرُوطِهِ السَّابِقَةِ مُتَنَزِّهًا عَنْ خَوَارِمِ الْمُرُوءَةِ ، فَقِيهَ النَّفْسِ ، سَلِيمَ الذِّهْنِ ، رَصِينَ الْفِكْرِ ، حَسَنَ التَّصَرُّفِ وَالِاسْتِنْبَاطِ ، وَسَوَاءٌ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ ، وَالْمَرْأَةُ وَالْأَعْمَى وَالْأَخْرَسُ إِذَا كَتَبَ أَوْ فُهِمَتْ إِشَارَتُهُ . قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُفْتِي كَالرَّاوِي فِي أَنَّهُ لَا تُؤَثِّرُ فِيهِ الْقَرَابَةُ وَالْعَدَاوَةُ ، وَجَرُّ النَّفْعِ ، وَدَفْعُ الضُّرَّ ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ مَنْ يُخْبِرُ عَنِ الشَّرْعِ بِمَا لَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِشَخْصٍ ، فَكَانَ كَالرَّاوِي لَا كَالشَّاهِدِ وَفَتْوَاهُ لَا يَرْتَبِطُ بِهَا إِلْزَامٌ بِخِلَافِ حُكْمِ الْقَاضِي . قَالَ : وَوَجَدْتُ عَنْ صَاحِبِ « الْحَاوِي » إِنَّ الْمُفْتِيَ إِذَا نَابَذَ فِي فَتْوَاهُ شَخْصًا مُعَيَّنًا ، صَارَ خَصْمًا مُعَانِدًا ، تُرَدُّ فَتْوَاهُ عَلَى مَنْ عَادَاهُ ، كَمَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ . قَالَ الصَّيْمَرِيُّ : وَيُقْبَلُ فَتَاوَى أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْخَوَارِجِ ، وَمَنْ لَا يُكَفَّرُ بِبِدْعَتِهِ وَلَا بِفِسْقِهِ ، وَذَكَرَ الْخَطِيبُ هَذَا ثُمَّ قَالَ : وَأَمَّا الشُّرَاةُ وَهُمْ بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ ، وَالرَّافِضَةُ الَّذِينَ يَسُبُّونَ السَّلَفَ ، فَفَتَاوِيهِمْ مَرْدُودَةٌ ، وَأَقَاوِيلُهُمْ سَاقِطَةٌ . وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْفَتْوَى وَهُوَ قَاضٍ ، فَهُوَ كَغَيْرِهِ ، فَلَا يُكْرَهُ لَهُ الْفَتْوَى هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ ، وَقِيلَ : لَهُ أَنْ يُفْتِيَ فِي الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا ، مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ ، وَفِي الْأَحْكَامِ وَجْهَانِ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : يُكْرَهُ فَتْوَاهُ فِي الْأَحْكَامِ دُونَ غَيْرِهَا ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْمُفْتِي أَنْ يَعْرِفَ مِنَ الْحِسَابِ مَا يَصِحُّ بِهِ الْمَسَائِلُ الْحِسَابِيَّةُ الْفِقْهِيَّةُ ؟ وَجْهَانِ ، حَكَاهُمَا الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِينِيُّ ، وَصَاحِبُهُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ . وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُفْتِي الْمُنْتَسِبِ إِلَى مَذْهَبِ إِمَامٍ كَمَا سَبَقَ أَنْ يَكُونَ فَقِيهَ النَّفْسِ ، حَافِظًا مَذْهَبَ إِمَامِهِ ، ذَا خِبْرَةٍ بِقَوَاعِدِهِ ، وَأَسَالِيبِهِ وَنُصُوصِهِ ، وَقَدْ قَطَعَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ الْأُصُولِيَّ الْمَاهِرَ الْمُتَصَرِّفَ فِي الْفِقْهِ لَا يَحِلُّ لَهُ الْفَتْوَى بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ ، وَلَوْ وَقَعَتْ لَهُ وَاقِعَةٌ لَزِمَهُ أَنْ