وَمَشَايِخِهِ ، كَمَا عَلَيْهِ أَصْحَابُ الطَّمَعِ الْكَاذِبِ ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَقُلْ لَا يَنْتَفِعُ إِلَّا بِمَا سَعَى .
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : { لَهَا مَا كَسَبَتْ } [ الْبَقَرَةِ : 286 ] . وَقَوْلُهُ : { وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } [ يس : 54 ] . عَلَى أَنَّ سِيَاقَ هَذِهِ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَنْفِيَّ عُقُوبَةُ الْعَبْدِ بِعَمَلِ غَيْرِهِ ، فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ : { فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } [ يس : 54 ] .
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عمله " 1 فاستدلال ساقط ، فإنه لم يقل انقطاع انْتِفَاعُهُ ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ عَنِ انْقِطَاعِ عَمَلِهِ , وَأَمَّا عَمَلُ غَيْرِهِ فَهُوَ لِعَامِلِهِ ، " فَإِنْ " وَهَبَهُ لَهُ وَصَلَ إِلَيْهِ ثَوَابُ عَمَلِ الْعَامِلِ ، لَا ثَوَابَ عَمَلِهِ هُوَ ، وَهَذَا كَالدَّيْنِ يُوَفِّيهِ الْإِنْسَانُ عَنْ غَيْرِهِ ، فَتَبْرَأُ ذِمَّتُهُ ، وَلَكِنْ لَيْسَ لَهُ مَا وَفَّى بِهِ 2 الدَّيْنَ .
وَأَمَّا تَفْرِيقُ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ وَالْبَدَنِيَّةِ , فَقَدْ شَرَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْمَيِّتِ ، كَمَا تَقَدَّمَ ، مَعَ أَنَّ الصَّوْمَ لَا تُجْزِئُ فِيهِ النِّيَابَةُ ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِيدَ الْأَضْحَى ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَى بِكَبْشٍ فَذَبَحَهُ ، فَقَالَ : " بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ ، اللَّهُمَّ هَذَا عَنِّي وَعَمَّنْ لَمْ يُضَحِّ مِنْ أُمَّتِي " 3 ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَحَدِيثُ الْكَبْشَيْنِ اللَّذَيْنِ قَالَ فِي أَحَدِهِمَا : " اللَّهُمَّ هَذَا عَنْ أُمَّتِي جَمِيعًا " 4 ، وَفِي الْآخَرِ : " اللَّهُمَّ هَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ " ، رَوَاهُ أَحْمَدُ . وَالْقُرْبَةُ فِي الْأُضْحِيَّةِ إِرَاقَةُ الدَّمِ ، وَقَدْ جَعَلَهَا لِغَيْرِهِ .
وَكَذَلِكَ عِبَادَةُ الْحَجِّ بَدَنِيَّةٌ ، وَلَيْسَ [ الْمَالُ ] رُكْنًا فِيهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ وَسِيلَةٌ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَكِّيَّ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ إِذَا قَدَرَ عَلَى الْمَشْيِ إِلَى عَرَفَاتٍ ، مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْمَالِ , وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ ، أَعْنِي أَنَّ الْحَجَّ غَيْرَ مُرَكَّبٍ مِنْ مَالٍ وَبَدَنٍ ، بل بدني محض ، كما قد نص
هامش
1 صحيح ومضى قريبا .
2 في الأصل : هذا .
3 صحيح لشواهده : انظر " المجمع " " 4 / 22 - 23 " ، ومن شواهده الذي بعده , ثم حققت في " الإرواء " أنه صحيح لذاته ، فليراجعه من شاء الوقوف على الحقيقة " رقم 1138 " .
4 حسن ، وهو في المسند " " 6 / 391 - 392 " وفي إسناه اختلاف بينته هناك .