تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 458

مساهمون:

ص٤٥٨
قِيلَ : مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ مَنِ اسْتَحَبَّهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَآهُ بِدْعَةً ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَكُونُوا يَفْعَلُونَهُ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ كُلِّ مَنْ عَمِلَ خَيْرًا مِنْ أُمَّتِهِ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجْرِ الْعَامِلِ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي دَلَّ أُمَّتَهُ عَلَى كُلِّ خَيْرٍ ، وَأَرْشَدَهُمْ إِلَيْهِ . وَمَنْ قَالَ : إِنَّ الْمَيِّتَ يَنْتَفِعُ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عِنْدَهُ ، بِاعْتِبَارِ سَمَاعِهِ كَلَامَ اللَّهِ , فَهَذَا لَمْ يَصِحَّ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمَشْهُورِينَ , وَلَا شَكَّ فِي سَمَاعِهِ 1 , وَلَكِنَّ انْتِفَاعَهُ بِالسَّمَاعِ لَا يَصِحُّ ، فَإِنَّ ثَوَابَ الِاسْتِمَاعِ مَشْرُوطٌ بِالْحَيَاةِ ، فَإِنَّهُ عَمَلٌ اخْتِيَارِيٌّ ، وَقَدِ انْقَطَعَ بِمَوْتِهِ ، بَلْ رُبَّمَا يَتَضَرَّرُ وَيَتَأَلَّمُ ، لِكَوْنِهِ لَمْ يَمْتَثِلْ أَوَامِرَ اللَّهِ وَنَوَاهِيهِ ، أَوْ لِكَوْنِهِ لَمْ يَزْدَدْ مِنَ الْخَيْرِ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عِنْدَ الْقُبُورِ ، عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : هَلْ تُكْرَهُ ، أَمْ لَا بَأْسَ بِهَا وَقْتَ الدَّفْنِ ، وَتُكْرَهُ بَعْدَهُ ؟ فَمَنْ قَالَ بِكَرَاهَتِهَا ، كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ , قَالُوا : لِأَنَّهُ مُحْدَثٌ ، لَمْ تَرِدْ بِهِ السُّنَّةُ ، وَالْقِرَاءَةُ تُشْبِهُ الصَّلَاةَ ، وَالصَّلَاةُ عِنْدَ الْقُبُورِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا ، فَكَذَلِكَ الْقِرَاءَةُ , وَمَنْ قَالَ : لَا بَأْسَ بِهَا ، كَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ , اسْتَدَلُّوا بِمَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّهُ أَوْصَى أَنْ يُقْرَأَ عَلَى قَبْرِهِ وَقْتَ الدَّفْنِ بِفَوَاتِحِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَخَوَاتِمِهَا 2 , وَنُقِلَ أَيْضًا عَنْ بَعْضِ الْمُهَاجِرِينَ قِرَاءَةُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ 1 . وَمَنْ قَالَ : لَا بَأْسَ بِهَا وَقْتَ الدَّفْنِ فَقَطْ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ , أَخَذَ بِمَا نُقِلَ عَنْ عُمَرَ وَبَعْضِ الْمُهَاجِرِينَ 1 . وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ ، كَالَّذِينِ يَتَنَاوَبُونَ الْقَبْرَ لِلْقِرَاءَةِ عِنْدَهُ , فَهَذَا مَكْرُوهٌ ، فَإِنَّهُ لَمْ تَأْتِ بِهِ السُّنَّةُ ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ مِثْلَ ذَلِكَ أَصْلًا , وَهَذَا الْقَوْلُ لَعَلَّهُ أَقْوَى مِنْ غَيْرِهِ ، لِمَا فِيهِ مِنَ التَّوْفِيقِ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ . [ قَوْلُهُ ] : " وَاللَّهُ تَعَالَى يَسْتَجِيبُ الدَّعَوَاتِ ، وَيَقْضِي الْحَاجَاتِ " . ش : قَالَ تَعَالَى : { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } [ غافر : 60 ] . { وَإِذَا
هامش
1 لم أره بلفظ " المهاجرين " ، وإنما بلفظ " الأنصار " ، ذكره ابن القيم وفي ثبوت ذلك عنهم نظر بينته في " أحكام الجنائز " " ص 193 " . 2 قلت : لا يصح إسناده ، فيه من يجهل كما هو مبين في " أحكام الجنائز " " ص 192 , طبع المكتب الإسلامي " .
شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 458 | ابن أبي العز الحنفي / جماعة من العلماء