تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 455

مساهمون:

ص٤٥٥
الْمَيِّتِ ، فَلَمَّا قَضَاهُمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْآنَ بَرَدَتْ عَلَيْهِ جِلْدَتُهُ " 1 . وَكُلُّ ذَلِكَ جَارٍ عَلَى قَوَاعِدِ الشَّرْعِ , وَهُوَ مَحْضُ الْقِيَاسِ ، فَإِنَّ الثَّوَابَ حَقُّ الْعَامِلِ ، فَإِذَا وَهَبَهُ لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ ، كَمَا لَمْ يُمْنَعْ مِنْ هِبَةِ مَالِهِ فِي حَيَاتِهِ ، وَإِبْرَائِهِ لَهُ مِنْهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ , وَقَدْ نَبَّهَ الشَّارِعُ بِوُصُولِ ثَوَابِ الصَّوْمِ عَلَى وُصُولِ ثَوَابِ الْقِرَاءَةِ وَنَحْوِهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ . يُوَضِّحُهُ : أَنَّ الصَّوْمَ كَفُّ النَّفْسِ عَنِ الْمُفْطِرَاتِ بِالنِّيَّةِ ، وَقَدْ نَصَّ الشَّارِعُ عَلَى وُصُولِ ثَوَابِهِ إِلَى الْمَيِّتِ ، فَكَيْفَ بِالْقِرَاءَةِ الَّتِي هِيَ عَمَلٌ وَنِيَّةٌ ؟ ! وَالْجَوَابُ عَمَّا اسْتَدَلُّوا بِهِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : { وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى } [ النَّجْمِ : 39 ] , قَدْ أَجَابَ الْعُلَمَاءُ بِأَجْوِبَةٍ : أَصَحُّهَا جَوَابَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْإِنْسَانَ بِسَعْيِهِ وَحُسْنِ عِشْرَتِهِ اكْتَسَبَ الْأَصْدِقَاءَ ، وَأَوْلَدَ الْأَوْلَادَ ، وَنَكَحَ الْأَزْوَاجَ ، وَأَسْدَى الْخَيْرَ وَتَوَدَّدَ إِلَى النَّاسِ ، فَتَرَحَّمُوا عَلَيْهِ ، وَدَعَوْا لَهُ ، وَأَهْدَوْا لَهُ ثَوَابَ الطَّاعَاتِ ، فَكَانَ ذَلِكَ أَثَرَ سَعْيِهِ ، بَلْ دُخُولُ الْمُسْلِمِ مَعَ جُمْلَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي عَقْدِ الْإِسْلَامِ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ فِي وُصُولِ نَفْعِ كُلٍّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى صَاحِبِهِ ، فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ ، وَدَعْوَةُ الْمُسْلِمِينَ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ . يُوَضِّحُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْإِيمَانَ سَبَبًا لِانْتِفَاعِ صَاحِبِهِ بِدُعَاءِ إِخْوَانِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَعْيِهِمْ ، فَإِذَا أَتَى بِهِ فَقَدْ سَعَى فِي السَّبَبِ الَّذِي يُوصِلُ إِلَيْهِ ذَلِكَ . الثَّانِي ، وَهُوَ أَقْوَى مِنْهُ : أَنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يَنْفِ انْتِفَاعَ الرَّجُلِ بِسَعْيِ غَيْرِهِ وَإِنَّمَا نَفَى مِلْكَهُ لِغَيْرِ سَعْيِهِ ، وبين الأمرين فرق لَا يَخْفَى , فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إِلَّا سَعْيَهُ ، وَأَمَّا سَعْيُ غَيْرِهِ فَهُوَ مِلْكٌ لِسَاعِيهِ ، فَإِنْ شَاءَ أَنْ يَبْذُلَهُ لِغَيْرِهِ ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُبْقِيَهُ لِنَفْسِهِ . وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : { أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ، وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى } [ النَّجْمِ : 38 , 39 ] . آيَتَانِ مُحْكَمَتَانِ ، مُقْتَضِيَتَانِ عَدْلَ الرَّبِّ تَعَالَى : فَالْأُولَى تَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُعَاقِبُ أَحَدًا بِجُرْمِ غَيْرِهِ ، وَلَا يُؤَاخِذُهُ بِجَرِيرَةِ غَيْرِهِ ، كَمَا يَفْعَلُهُ مُلُوكُ الدُّنْيَا . وَالثَّانِيَةُ تَقْتَضِي أنه لا يفلح إلا بعمله ، لينقطع طمعه من نجاته بعمل آبائه وسلفه
هامش
1 حسن رواه الحاكم وغيره . وهو مخرج في " أحكام الجنائز " " ص 16 " .