تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 451

مساهمون:

ص٤٥١
وَتَكُونَ قُوَّةُ الْحُبِّ وَالْإِنَابَةِ ، وَالتَّوَكُّلِ وَالْخَشْيَةِ وَالْمُرَاقَبَةِ وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ جَمِيعُهَا مُتَوَجِّهَةً إِلَيْهِ ، وَمُتَعَلِّقَةً بِهِ ، بِحَيْثُ يَكُونُ الْقَلْبُ عَاكِفًا عَلَى مَحَبَّتِهِ وَتَأْلِيهِهِ ، بَلْ عَلَى إِفْرَادِهِ بِذَلِكَ ، وَاللِّسَانُ مَحْبُوسًا عَلَى ذِكْرِهِ ، وَالْجَوَارِحُ وَقْفًا عَلَى طَاعَتِهِ . وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا مَقْدُورٌ فِي الْجُمْلَةِ ، وَلَكِنَّ النُّفُوسَ تَشِحُّ بِهِ ، وَهِيَ فِي الشُّحِّ عَلَى مَرَاتِبَ لَا يُحْصِيهَا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى , وَأَكْثَرُ الْمُطِيعِينَ تَشِحُّ بِهِ نَفْسُهُ مِنْ وَجْهٍ ، وَإِنْ أَتَى بِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ , فَأَيْنَ الَّذِي لَا تَقَعُ مِنْهُ إِرَادَةٌ تُزَاحِمُ مُرَادَ اللَّهِ وَمَا يحبه منه ؟ ومن [ ذا ] الَّذِي لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ خِلَافُ مَا خُلِقَ لَهُ ، وَلَوْ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ ؟ فَلَوْ وَضَعَ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ عَدْلَهُ عَلَى أَهْلِ سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضِهِ ، لَعَذَّبَهُمْ بِعَدْلِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ ظَالِمًا لَهُمْ , وَغَايَةُ مَا يُقَدَّرُ ، تَوْبَةُ الْعَبْدِ مِنْ ذَلِكَ وَاعْتِرَافُهُ ، وَقَبُولُ التَّوْبَةِ مَحْضُ فَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ ، وَإِلَّا فَلَوْ عَذَّبَ عَبْدَهُ عَلَى جِنَايَتِهِ لَمْ يَكُنْ ظَالِمًا وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ تَابَ مِنْهَا , لَكِنْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ - بِمُقْتَضَى فَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ - أَنَّهُ لَا يُعَذِّبُ مَنْ تَابَ ، وَقَدْ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ، فَلَا يَسَعُ الْخَلَائِقَ إِلَّا رَحْمَتُهُ وَعَفْوُهُ ، وَلَا يَبْلُغُ عَمَلُ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَنْجُوَ بِهِ مِنَ النَّارِ ، أَوْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ ، كَمَا قَالَ أَطْوَعُ النَّاسِ لِرَبِّهِ ، وَأَفْضَلُهُمْ عَمَلًا ، وَأَشَدُّهُمْ تَعْظِيمًا لِرَبِّهِ وَإِجْلَالًا : " لَنْ يُنْجِيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ " ، قَالُوا : وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : " وَلَا أَنَا ، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ " 1 , وَسَأَلَهُ الصِّدِّيقُ دُعَاءً يَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِهِ ، فَقَالَ : قُلْ : " اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا ، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عندك وارحمني ، إنك الْغَفُورُ الرَّحِيمُ " 2 . فَإِذَا كَانَ هَذَا حَالُ الصِّدِّيقِ ، الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ النَّاسِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ , فَمَا الظَّنُّ بِسِوَاهُ ؟ بَلْ إِنَّمَا صَارَ صِدِّيقًا بِتَوْفِيَتِهِ هَذَا الْمَقَامَ حَقَّهُ ، الَّذِي يَتَضَمَّنُ مَعْرِفَةَ رَبِّهِ ، وَحَقَّهُ وَعَظَمَتَهُ ، وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ، وَمَا يَسْتَحِقُّهُ عَلَى عَبْدِهِ ، وَمَعْرِفَةَ تَقْصِيرِهِ . فَسُحْقًا وَبُعْدًا لِمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَخْلُوقَ يَسْتَغْنِي عَنْ مَغْفِرَةِ رَبِّهِ وَلَا يَكُونُ بِهِ حَاجَةٌ إِلَيْهَا ! وَلَيْسَ وَرَاءَ هَذَا الْجَهْلِ بِاللَّهِ وَحَقِّهِ غَايَةٌ ! ! فَإِنْ لَمْ يَتَّسِعْ فَهْمُكَ لِهَذَا ، فَانْزِلْ إِلَى وَطْأَةِ النعيم ، وَمَا عَلَيْهَا مِنَ الْحُقُوقِ ، وَوَازِنْ مِنْ 3 شُكْرِهَا وَكُفْرِهَا ، فَحِينَئِذٍ تَعْلَمُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَوْ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضِهِ ، لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لهم .
هامش
1 متفق عليه من حديث أبي هريرة ، وتقدم بنحوه . 2 متفق عليه من حديث أبي بكر الصديق " انظر مسند أبي بكر الصديق طبع المكتب الإسلامي ص 122 " . 3 في الأصل : بين .