تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 450

مساهمون:

ص٤٥٠
بَلْ كُلُّ مُمْكِنٍ فَإِنَّهُ لَا يُنَزَّهُ عَنْ فِعْلِهِ ، بَلْ فِعْلُهُ حَسَنٌ ، وَلَا حَقِيقَةَ لِلْفِعْلِ السُّوءِ ، بَلْ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ ، وَالْمُمْتَنِعُ لَا حَقِيقَةَ لَهُ ! ! وَالْقُرْآنُ يَدُلُّ عَلَى نَقِيضِ هَذَا الْقَوْلِ ، فِي مَوَاضِعَ ، نَزَّهَ اللَّهَ نَفْسَهُ فِيهَا عَنْ فِعْلِ مَا لَا يَصْلُحُ لَهُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ ، فَعُلِمَ أَنَّهُ مُنَزَّهٌ مُقَدَّسٌ عَنْ فِعْلِ السُّوءِ وَالْفِعْلِ الْمَعِيبِ الْمَذْمُومِ ، كَمَا أَنَّهُ مُنَزَّهٌ مُقَدَّسٌ عَنْ وَصْفِ السُّوءِ وَالْوَصْفِ الْمَعِيبِ الْمَذْمُومِ , وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ } [ الْمُؤْمِنُونَ : 115 ] . فَإِنَّهُ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ خَلْقِ الْخَلْقِ عَبَثًا ، وَأَنْكَرَ عَلَى مَنْ حَسِبَ ذَلِكَ ، وَهَذَا فِعْلٌ , وَقَوْلِهِ تَعَالَى : { أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ } [ الْقَلَمِ : 35 ] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى : { أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ } [ ص : 28 ] , إِنْكَارٌ مِنْهُ عَلَى مَنْ جَوَّزَ أَنْ يُسَوِّيَ اللَّهُ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا , وَكَذَا قَوْلُهُ : { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ 1 سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } [ الْجَاثِيَةِ : 21 ] , إِنْكَارٌ عَلَى مَنْ حَسِبَ أَنَّهُ يفعل هذا ، وإخبار أن هذا حكم سيئ قَبِيحٌ ، وَهُوَ مِمَّا يُنَزَّهُ الرَّبُّ عَنْهُ . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ ، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لو أن الله عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ ، لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ " 2 . وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا يَحْتَجُّ بِهِ الْجَبْرِيَّةُ ، وَأَمَّا الْقَدَرِيَّةُ فَلَا يَتَأَتَّى عَلَى أُصُولِهِمُ الْفَاسِدَةِ ! وَلِهَذَا قَابَلُوهُ إِمَّا بِالتَّكْذِيبِ أَوْ بِالتَّأْوِيلِ ! ! وَأَسْعَدُ النَّاسِ بِهِ أَهْلُ السُّنَّةِ ، الَّذِينَ قَابَلُوهُ بِالتَّصْدِيقِ ، وَعَلِمُوا مِنْ عَظَمَةِ اللَّهِ وَجَلَالِهِ ، قَدْرَ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ ، وَعَدَمَ قِيَامِ الْخَلْقِ بِحُقُوقِ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ ، إِمَّا عَجْزًا ، وَإِمَّا جَهْلًا ، وَإِمَّا تَفْرِيطًا وَإِضَاعَةً ، وَإِمَّا تَقْصِيرًا فِي الْمَقْدُورِ مِنَ الشُّكْرِ ، وَلَوْ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ , فَإِنَّ حَقَّهُ عَلَى أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى ، وَيُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى ، ويشكر فلا يكفر ،
هامش
1 قال عفيفي : انظر ص 315 - 329 ج 1 من " مختصر الموصلي للصواعق المرسلة " لابن القيم . وص 125 ج 6 من " مجموعة الفتاوى " . 2 صحيح وقد خرجته في " تخريج السنة " " 245 " .