تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
الْكَلَامِ وَالْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ لَا يَقُولُونَ ذَلِكَ فِي الْأَعْمَالِ ، لَكِنْ فِي الِاعْتِقَادَاتِ الْبِدْعِيَّةِ ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا مُتَأَوِّلًا ، فَيَقُولُونَ : يَكْفُرُ كُلُّ مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ ، لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْمُجْتَهِدِ الْمُخْطِئِ وَغَيْرِهِ ، أَوْ يَقُولُونَ : يَكْفُرُ كُلُّ مُبْتَدِعٍ , وَهَؤُلَاءِ يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ فِي هَذَا الْإِثْبَاتِ الْعَامِّ أُمُورٌ عظيمة ، فثان النُّصُوصَ الْمُتَوَاتِرَةَ قَدْ دَلَّتْ عَلَى أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ فِي قَلْبِهِ [ مِثْقَالُ ] ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ ، وَنُصُوصُ الْوَعْدِ الَّتِي يَحْتَجُّ بِهَا هَؤُلَاءِ تُعَارِضُ نُصُوصَ الْوَعِيدِ الَّتِي يَحْتَجُّ بِهَا أُولَئِكَ , وَالْكَلَامُ فِي الْوَعِيدِ مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ , وَسَيَأْتِي بَعْضُهُ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِ الشَّيْخِ : وَأَهْلُ الْكَبَائِرِ فِي النَّارِ لَا يُخَلَّدُونَ ، إِذَا مَاتُوا وَهُمْ مُوَحِّدُونَ . وَالْمَقْصُودُ هُنَا : أَنَّ الْبِدَعَ هِيَ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ ، فَإِنَّ الرَّجُلَ يَكُونُ مُؤْمِنًا بَاطِنًا وَظَاهِرًا ، لَكِنْ تَأَوَّلَ تَأْوِيلًا أَخْطَأَ فِيهِ ، إِمَّا مُجْتَهِدًا وَإِمَّا مُفْرِطًا مُذْنِبًا ، فَلَا يقال . إن إيمانه حبط لمجرد ذَلِكَ ، إِلَّا أَنْ يَدُلَّ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ ، بَلْ هَذَا مِنْ جِنْسِ قَوْلِ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ ، وَلَا نَقُولُ : لَا يَكْفُرُ ، بَلِ الْعَدْلُ هُوَ الْوَسَطُ ، وَهُوَ : أَنَّ الْأَقْوَالَ الْبَاطِلَةَ الْمُبْتَدَعَةَ الْمُحَرَّمَةَ الْمُتَضَمِّنَةَ نَفْيَ مَا أَثْبَتَهُ الرَّسُولُ ، أَوْ إِثْبَاتَ مَا نَفَاهُ ، أَوِ الْأَمْرَ بِمَا نَهَى عَنْهُ ، أَوِ النَّهْيَ عَمَّا أَمَرَ بِهِ , يُقَالُ فِيهَا الْحَقُّ ، وَيُثْبَتُ لَهَا الْوَعِيدُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ ، وَيُبَيَّنُ أَنَّهَا كُفْرٌ ، وَيُقَالُ : مَنْ قَالَهَا فَهُوَ كَافِرٌ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ ، كَمَا يُذْكَرُ من الوعيد في الظلم في النفس وَالْأَمْوَالِ ، وَكَمَا قَدْ قَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ الْمَشَاهِيرِ بِتَكْفِيرِ مَنْ قَالَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ [ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ وَلَا يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ قَبْلَ وُقُوعِهَا , وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، أَنَّهُ قَالَ : نَاظَرْتُ أَبَا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ مُدَّةً ، حَتَّى اتَّفَقَ رَأْيِي وَرَأْيُهُ : أَنَّ مَنْ قَالَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ فَهُوَ كَافِرٌ ] . وَأَمَّا الشَّخْصُ الْمُعَيَّنُ ، إِذَا قِيلَ : هَلْ تَشْهَدُونَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْوَعِيدِ وَأَنَّهُ كَافِرٌ ؟ فَهَذَا لَا نَشْهَدُ عَلَيْهِ إِلَّا بِأَمْرٍ تَجُوزُ مَعَهُ الشَّهَادَةُ ، فَإِنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ الْبَغْيِ أَنْ يُشْهَدَ عَلَى مُعَيَّنٍ أَنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ لَهُ وَلَا يَرْحَمُهُ بَلْ يُخَلِّدُهُ فِي النَّارِ ، فَإِنَّ هَذَا حُكْمُ الْكَافِرِ بَعْدَ الْمَوْتِ . وَلِهَذَا ذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ : " بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْبَغْيِ " ، وَذَكَرَ فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " كَانَ رَجُلَانِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مُتَوَاخِيَيْنِ ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا يُذْنِبُ ، وَالْآخَرُ مُجْتَهِدٌ فِي الْعِبَادَةِ ، فَكَانِ لَا يَزَالُ الْمُجْتَهِدُ يَرَى الْآخَرَ عَلَى الذَّنْبِ ، فَيَقُولُ : أَقْصِرْ ، فَوَجَدَهُ يَوْمًا عَلَى ذَنْبٍ ، فَقَالَ لَهُ : أَقْصِرْ . فَقَالَ : خَلِّنِي وَرَبِّي ، أَبُعِثْتَ عَلَيَّ رقيبا ؟ فقال :
شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 318 | ابن أبي العز الحنفي / جماعة من العلماء