تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 315

مساهمون:

ص٣١٥
فَلَمَّا رَأَى الصَّحَابَةُ أَنَّ الْأُمَّةَ تَفْتَرِقُ وَتَخْتَلِفُ وَتَتَقَاتَلُ إِنْ لَمْ تَجْتَمِعْ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ جَمَعَهُمُ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ . هَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْقُرَّاءِ . قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ : مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : إِنَّ التَّرَخُّصَ فِي الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ، لِمَا فِي الْمُحَافَظَةِ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ مِنَ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ أَوَّلًا ، فَلَمَّا تَذَلَّلَتْ أَلْسِنَتُهُمْ بِالْقِرَاءَةِ ، وَكَانَ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ يَسِيرًا عَلَيْهِمْ ، وَهُوَ أَوْفَقُ لَهُمْ , أَجْمَعُوا عَلَى الْحَرْفِ الَّذِي كَانَ فِي الْعَرْضَةِ الْأَخِيرَةِ , وَذَهَبَ طَوَائِفُ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ الْكَلَامِ إِلَى أَنَّ الْمُصْحَفَ يَشْتَمِلُ عَلَى الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُهْمَلَ شَيْءٌ مِنَ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ , وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى نَقْلِ الْمُصْحَفِ الْعُثْمَانِيِّ , وَتَرْكِ مَا سِوَاهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى الْجَوَابِ ، وَهُوَ : أَنَّ ذَلِكَ كَانَ جَائِزًا لَا وَاجِبًا ، أَوْ أَنَّهُ صَارَ مَنْسُوخًا . وَأَمَّا مَنْ قَالَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : إِنَّهُ كَانَ يُجَوِّزُ الْقِرَاءَةَ بِالْمَعْنَى ! فَقَدْ كَذَبَ عَلَيْهِ ، وإنما قال : قد نظرت إلى القراءة 1 فَرَأَيْتُ قِرَاءَتَهُمْ مُتَقَارِبَةً ، وَإِنَّمَا هُوَ كَقَوْلِ أَحَدِكُمْ : هَلُمَّ ، وَأَقْبِلْ ، وَتَعَالَ ، فَاقْرَءُوا كَمَا عُلِّمْتُمْ , أَوْ كَمَا قَالَ . وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَمَرَنَا أَنْ لَا نُجَادِلَ أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ، فَكَيْفَ بِمُنَاظَرَةِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ ؟ فَإِنَّ أَهْلَ الْقِبْلَةِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ خَيْرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنَاظَرَ مَنْ لَمْ يَظْلِمْ مِنْهُمْ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ، وَلَيْسَ إِذَا أَخْطَأَ يُقَالُ : إِنَّهُ كَافِرٌ ، قَبْلَ أَنْ تُقَامَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الَّتِي حَكَمَ الرَّسُولُ بِكُفْرِ مَنْ تَرَكَهَا , وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ عَفَا لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَنِ الْخَطَأِ والنسيان , ولهذا ذم السلف أهل الأهواء ، وذكر [ وا ] أَنَّ آخِرَ أَمْرِهِمُ السَّيْفَ , وَسَيَأْتِي لِهَذَا الْمَعْنَى زِيَادَةُ بَيَانٍ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، عِنْدَ قَوْلِ الشَّيْخِ : وَنَرَى الْجَمَاعَةَ حَقًّا وَصَوَابًا ، وَالْفُرْقَةَ زَيْغًا وَعَذَابًا . وَقَوْلُهُ : وَنَشْهَدُ أَنَّهُ كَلَامُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى عِنْدَ قَوْلِهِ : وَإِنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ مِنْهُ بَدَا بِلَا كَيْفِيَّةٍ قَوْلًا . وَقَوْلُهُ : { نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ } [ الشعراء : 193 ] ، هو جبرائيل عَلَيْهِ السَّلَامُ ، سُمِّيَ رُوحًا لِأَنَّهُ حَامِلُ الْوَحْيِ الَّذِي بِهِ حَيَاةُ الْقُلُوبِ إِلَى الرُّسُلِ مِنَ الْبَشَرِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ ، وَهُوَ أَمِينٌ حَقُّ أَمِينٍ ، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ . قَالَ تَعَالَى : { نَزَلَ بِهِ
هامش
1 في الأصل : القراء .