الرُّوحُ الْأَمِينُ ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } [ الشُّعَرَاءِ : 193 - 195 ] . وَقَالَ تَعَالَى : { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ، ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ، مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ } [ التَّكْوِيرِ : 19 - 21 ] . وَهَذَا وصف جبرائيل بِخِلَافِ قَوْلِهِ تَعَالَى : { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ، وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ } [ الْحَاقَّةِ : 40 - 41 ] الْآيَاتِ . فَإِنَّ الرَّسُولَ هُنَا هُوَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَوْلُهُ : فَعَلَّمَهُ سَيِّدَ الْمُرْسَلِينَ ، تَصْرِيحٌ بِتَعْلِيمِ جبرائيل إِيَّاهُ ، إِبْطَالًا لِتَوَهُّمِ الْقَرَامِطَةِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ تَصَوَّرَهُ فِي نَفْسِهِ إِلْهَامًا .
وَقَوْلُهُ : وَلَا نَقُولُ بِخَلْقِهِ ، وَلَا نُخَالِفُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ ، تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ فَقَدْ خَالَفَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنَّ سَلَفَ الْأُمَّةِ كُلَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أنه كَلَامُ اللَّهِ بِالْحَقِيقَةِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ ، بَلْ قَوْلُهُ : وَلَا نُخَالِفُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ ، مُجْرًى عَلَى إِطْلَاقِهِ . أَنَّا لَا نُخَالِفُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ فِي جَمِيعِ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ فَإِنَّ خِلَافَهُمْ زَيْغٌ وَضَلَالٌ وَبِدْعَةٌ .
قَوْلُهُ : " وَلَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ ، مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ ، وَلَا نَقُولُ لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ ذَنْبٌ لِمَنْ عَمِلَهُ " .
ش : أَرَادَ بِأَهْلِ الْقِبْلَةِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ فِي قَوْلِهِ : وَنُسَمِّي أَهْلَ قِبْلَتِنَا مُسْلِمِينَ مُؤْمِنِينَ ، [ مَا دَامُوا بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعْتَرِفِينَ ، وَلَهُ بِكُلِّ مَا قال وأخبر مصدقين ] ، يشير الشيخ رحمه الله [ بهذا الكلام ] إِلَى الرَّدِّ عَلَى الْخَوَارِجِ الْقَائِلِينَ بِالتَّكْفِيرِ بِكُلِّ ذَنْبٍ .
وَاعْلَمْ - رَحِمَكَ اللَّهُ وَإِيَّانَا - أَنَّ بَابَ التَّكْفِيرِ وَعَدَمِ التَّكْفِيرِ ، بَابٌ عَظُمَتِ الْفِتْنَةُ وَالْمِحْنَةُ فِيهِ ، وَكَثُرَ فِيهِ الِافْتِرَاقُ ، وَتَشَتَّتَتْ فِيهِ الْأَهْوَاءُ وَالْآرَاءُ ، وَتَعَارَضَتْ فِيهِ دَلَائِلُهُمْ . فَالنَّاسُ فِيهِ ، فِي جِنْسِ تَكْفِيرِ أَهْلِ الْمَقَالَاتِ وَالْعَقَائِدِ الْفَاسِدَةِ ، الْمُخَالِفَةِ لِلْحَقِّ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، أَوِ الْمُخَالِفَةِ لِذَلِكَ فِي اعْتِقَادِهِمْ ، عَلَى طَرَفَيْنِ وَوَسَطٍ ، مِنْ جِنْسِ الِاخْتِلَافِ فِي تَكْفِيرِ أَهْلِ الْكَبَائِرِ الْعَمَلِيَّةِ .
فَطَائِفَةٌ تَقُولُ : لَا نُكَفِّرُ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ أَحَدًا ، فَتَنْفِي التَّكْفِيرَ نَفْيًا عَامًّا ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ فِي أَهْلِ الْقِبْلَةِ الْمُنَافِقِينَ ، الَّذِينَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ أَكْفَرُ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى
شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 316
مساهمون: ابن أبي العز الحنفي
ص٣١٦