تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 270

مساهمون:

ص٢٧٠
وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ التَّوَكُّلَ يُنَافِي الِاكْتِسَابَ وَتَعَاطِيَ الْأَسْبَابِ ، وَأَنَّ الْأُمُورَ إِذَا كَانَتْ مُقَدَّرَةً فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْأَسْبَابِ ! وَهَذَا فَاسِدٌ ، فَإِنَّ الِاكْتِسَابَ : مِنْهُ فَرْضٌ ، وَمِنْهُ مُسْتَحَبٌّ ، وَمِنْهُ مُبَاحٌ ، وَمِنْهُ مَكْرُوهٌ ، وَمِنْهُ حَرَامٌ ، كَمَا قَدْ عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ . وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلَ الْمُتَوَكِّلِينَ ، يَلْبَسُ لَأْمَةَ الْحَرْبِ ، وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لِلِاكْتِسَابِ ، حَتَّى قَالَ الْكَافِرُونَ : { مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ } [ الْفُرْقَانِ : 7 ] . وَلِهَذَا تَجِدُ كَثِيرًا مِمَّنْ يَرَى الِاكْتِسَابَ يُنَافِي التَّوَكُّلَ يُرْزَقُونَ عَلَى يَدِ مَنْ يُعْطِيهِمْ ، إِمَّا صَدَقَةً ، وَإِمَّا هَدِيَّةً ، وَقَدْ يَكُونُ [ ذَلِكَ ] مِنْ مَكَّاسٍ ، أَوْ وَالِي شُرْطَةٍ ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ، وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ ، لَا يَسَعُهُ هَذَا الْمُخْتَصَرُ . وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى بَعْضِ الْأَقْوَالِ الَّتِي فِي [ تَفْسِيرِ ] قَوْلِهِ تعالى : { يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ } [ الرَّعْدِ : 39 ] . وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى : { كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ } [ الرحمن : 29 ] فقال الْبَغَوِيُّ . قَالَ مُقَاتِلٌ : نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ حِينَ قَالُوا : إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْضِي يَوْمَ السَّبْتِ ! قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : مِنْ شَأْنِهِ أَنَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ ، وَيَرْزُقُ ، وَيُعِزُّ قَوْمًا وَيُذِلُّ آخَرِينَ ، وَيَشْفِي مَرِيضًا ، وَيَفُكُّ عَانِيًا ، وَيُفَرِّجُ مَكْرُوبًا ، وَيُجِيبُ دَاعِيًا ، وَيُعْطِي سَائِلًا ، وَيَغْفِرُ ذَنْبًا ، إِلَى مَا لَا يُحْصَى مِنْ أَفْعَالِهِ وَإِحْدَاثِهِ فِي خَلْقِهِ مَا يَشَاءُ . قَوْلُهُ : " وَمَا أَخْطَأَ الْعَبْدَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ ، وَمَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ " . ش : هَذَا بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمَقْدُورَ كائن لا محالة ، ولقد أحسن القائل حيث يقول : مَا قَضَى اللَّهُ كَائِنٌ لَا مَحَالَهْ . . . وَالشَّقِيُّ الْجَهُولُ مَنْ لَامَ حَالَهْ وَالْقَائِلُ الْآخَرُ : اقْنَعْ بِمَا تُرْزَقُ يَا ذَا الْفَتَى . . . فَلَيْسَ يَنْسَى رَبُّنَا نَمْلَهْ إِنْ أَقْبَلَ الدَّهْرُ فَقُمْ قَائِمًا . . . وَإِنْ تَوَلَّى مُدْبِرًا نَمْ لَهْ قَوْلُهُ : " وَعَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ سَبَقَ عِلْمُهُ فِي كُلِّ كَائِنٍ مِنْ خَلْقِهِ ، فَقَدَّرَ ذَلِكَ تَقْدِيرًا مُحْكَمًا مُبْرَمًا ، لَيْسَ فِيهِ نَاقِضٌ ، وَلَا مُعَقِّبٌ وَلَا مُزِيلٌ وَلَا مُغَيِّرٌ وَلَا نَاقِصٌ وَلَا زَائِدٌ مِنْ خَلْقِهِ فِي سَمَاوَاتِهِ وأرضه " .