تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
وَقَالَ تَعَالَى : { كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } [ الْأَنْعَامِ : 54 ] . وَقَالَ تَعَالَى : { وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي } [ طَهَ : 41 ] . وَقَالَ تَعَالَى : { وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ } [ آلِ عِمْرَانَ : 28 ] . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ لَمَّا يَأْتِي النَّاسُ آدَمَ فَيَقُولُونَ لَهُ : " خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ " 1 ، الْحَدِيثَ . وَلَا يَصِحُّ تَأْوِيلُ مَنْ قال : إن المراد باليد : بالقدرة ، فَإِنَّ قَوْلَهُ : { لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } [ ص : 75 ] . لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ بِقُدْرَتِي مَعَ تَثْنِيَةِ الْيَدِ ، وَلَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَقَالَ إِبْلِيسُ : وَأَنَا أَيْضًا خَلَقْتَنِي بِقُدْرَتِكَ ، فَلَا فَضْلَ لَهُ عَلَيَّ بِذَلِكَ . فَإِبْلِيسُ - مَعَ كُفْرِهِ - كَانَ أَعْرَفَ بِرَبِّهِ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ , وَلَا دَلِيلَ لَهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ } [ يس : 71 ] ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى جَمْعَ الْأَيْدِي لَمَّا أَضَافَهَا إِلَى ضَمِيرِ الْجَمْعِ ، لِيَتَنَاسَبَ الْجَمْعَانِ ، فَاللَّفْظَانِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الملك والعظمة , ولم يقل : أيدي مضافا إِلَى ضَمِيرِ الْمُفْرَدِ ، وَلَا يَدَيْنَا بِتَثْنِيَةِ الْيَدِ مضافا إِلَى ضَمِيرِ الْجَمْعِ , فَلَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ : { مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا } نَظِيرَ قَوْلِهِ : { لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَي } . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ : " حِجَابُهُ النُّورُ ، وَلَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ " 2 . وَلَكِنْ لَا يُقَالُ لِهَذِهِ الصِّفَاتِ إِنَّهَا أَعْضَاءٌ ، أَوْ جَوَارِحٌ ، أَوْ أَدَوَاتٌ ، أَوْ أَرْكَانٌ ؛ لِأَنَّ الرُّكْنَ جُزْءُ الْمَاهِيَّةِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْأَحَدُ الصَّمَدُ ، لَا يَتَجَزَّأُ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَالْأَعْضَاءُ فِيهَا مَعْنَى التَّفْرِيقِ وَالتَّعْضِيَةِ 3 ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ ، وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى : { الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآَنَ عِضِينَ } [ الْحِجْرِ : 91 ] . وَالْجَوَارِحُ فِيهَا مَعْنَى الِاكْتِسَابِ وَالِانْتِفَاعِ , وَكَذَلِكَ الْأَدَوَاتُ هِيَ الْآلَاتُ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِهَا فِي جَلْبِ الْمَنْفَعَةِ وَدَفْعِ الْمَضَرَّةِ , وَكُلُّ هَذِهِ الْمَعَانِي مُنْتَفِيَةٌ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلِهَذَا لَمْ يَرِدْ ذِكْرُهَا فِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى , فَالْأَلْفَاظُ الشَّرْعِيَّةُ صَحِيحَةُ الْمَعَانِي ، سَالِمَةٌ من الاحتمالات الفاسدة ،
هامش
1 صحيح ، أخرجه البخاري " 4 / 454 ، 464 " وأحمد " 3 / 116 " في حديث الشفاعة من حديث أنس ، وسيأتي بلفظ آخر . " ص 229 " . 2 صحيح ، وقد تقدم بتمام " برقم 52 و 171 " . 3 التعضية : " التقطيع ، وجعل الشيء أعضاء " .