تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
وَشَرِيكٌ وَأَبُو عَوَانَةَ , لَا يَحُدُّونَ وَلَا يُشَبِّهُونَ وَلَا يُمَثِّلُونَ ، يَرْوُونَ الْحَدِيثَ وَلَا يَقُولُونَ : كَيْفَ ؟ وَإِذَا سُئِلُوا قَالُوا بِالْأَثَرِ , وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّيْخِ : وَقَدْ أَعْجَزَ خَلْقَهُ عَنِ الْإِحَاطَةِ بِهِ , فَعُلِمَ أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّ اللَّهَ يَتَعَالَى عَنْ أَنْ يُحِيطَ أَحَدٌ بِحَدِّهِ ، لِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ مُتَمَيِّزٌ عَنْ خَلْقِهِ مُنْفَصِلٌ عَنْهُمْ مُبَايِنٌ لَهُمْ . سُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ : بِمَ نَعْرِفُ رَبَّنَا ؟ قَالَ : بِأَنَّهُ عَلَى الْعَرْشِ ، بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ ، قِيلَ : بِحَدٍّ ؟ قَالَ : بِحَدٍّ ، انْتَهَى . وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْحَدَّ يُقَالُ عَلَى مَا يَنْفَصِلُ بِهِ الشَّيْءُ وَيَتَمَيَّزُ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى غَيْرُ حَالٍّ فِي خَلْقِهِ ، وَلَا قَائِمٍ بِهِمْ ، بَلْ هُوَ الْقَيُّومُ الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ ، الْمُقِيمُ لِمَا سِوَاهُ , فَالْحَدُّ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مُنَازَعَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَصْلًا ، فَإِنَّهُ لَيْسَ وَرَاءَ نَفْيِهِ إِلَّا نَفْيُ وُجُودِ الرَّبِّ وَنَفْيُ حَقِيقَتِهِ , وَأَمَّا الْحَدُّ بِمَعْنَى الْعِلْمِ وَالْقَوْلِ ، وَهُوَ أَنْ يَحُدَّهُ الْعِبَادُ ، فَهَذَا مُنْتَفٍ بِلَا مُنَازَعَةٍ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ . قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ فِي رِسَالَتِهِ : سَمِعْتُ الشَّيْخَ أبا عبد الرحمن السلمي ، سمعت أبا مَنْصُورَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ، سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيَّ ، سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيَّ يَقُولُ ، وَقَدْ سُئِلَ عَنْ ذَاتِ اللَّهِ فَقَالَ : ذَاتُ اللَّهِ مَوْصُوفَةٌ بِالْعِلْمِ ، غَيْرُ مُدْرَكَةٍ بِالْإِحَاطَةِ ، وَلَا مَرْئِيَّةٍ بِالْأَبْصَارِ فِي دَارِ الدُّنْيَا ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ بِحَقَائِقِ الْإِيمَانِ ، مِنْ غَيْرِ حَدٍّ وَلَا إِحَاطَةٍ وَلَا حُلُولٍ ، وَتَرَاهُ الْعُيُونُ فِي الْعُقْبَى ، ظَاهِرًا فِي مُلْكِهِ وَقُدْرَتِهِ ، وَقَدْ حَجَبَ الْخَلْقَ عَنْ مَعْرِفَةِ كُنْهِ ذَاتِهِ ، وَدَلَّهُمْ عَلَيْهِ بِآيَاتِهِ ، فَالْقُلُوبُ تَعْرِفُهُ ، وَالْعُيُونُ لَا تُدْرِكُهُ ، يَنْظُرُ إِلَيْهِ الْمُؤْمِنُ بِالْأَبْصَارِ ، مِنْ غَيْرِ إِحَاطَةٍ وَلَا إِدْرَاكِ نهاية . وأما لفظ الأركان والأعضاء والأدوات , فيستدل بِهَا النُّفَاةُ عَلَى نَفْيِ بَعْضِ الصِّفَاتِ الثَّابِتَةِ بِالْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ ، كَالْيَدِ وَالْوَجْهِ . قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي " الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ " : لَهُ يَدٌ وَوَجْهٌ وَنَفْسٌ ، كَمَا ذَكَرَ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ الْيَدِ وَالْوَجْهِ وَالنَّفْسِ ، فَهُوَ لَهُ صِفَةٌ بِلَا كَيْفٍ ، وَلَا يُقَالُ : إِنَّ يَدَهُ قُدْرَتُهُ وَنِعْمَتُهُ ؛ لِأَنَّ فِيهِ إِبْطَالَ الصِّفَةِ ، انْتَهَى . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، ثَابِتٌ بِالْأَدِلَّةِ الْقَاطِعَةِ ؛ قَالَ تَعَالَى : { مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } [ ص : 75 ] . { وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ } [ الزُّمَرِ : 67 ] . وَقَالَ تَعَالَى : { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ } [ الْقَصَصِ : 88 ] . { وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } [ الرَّحْمَنِ : 27 ] . وَقَالَ تَعَالَى : { تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ } [ المائدة : 116 ]