تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 222

مساهمون:

ص٢٢٢
مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ ، فَالِاعْتِصَامُ بِالْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ أَوْلَى . الثَّانِي : أَنَّ قَوْلَهُ : كَسَائِرِ الْمُبْتَدَعَاتِ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ مَا مِنْ مُبْتَدَعٍ إِلَّا وَهُوَ مَحْوِيٌّ ! ! وَفِي هَذَا نَظَرٌ , فَإِنَّهُ إِنْ أَرَادَ أَنَّهُ مَحْوِيٌّ بِأَمْرٍ وُجُودِيٍّ ، فَمَمْنُوعٌ ، فَإِنَّ الْعَالَمَ لَيْسَ فِي عَالَمٍ آخَرَ ، وَإِلَّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ ، وَإِنْ أَرَادَ أَمْرًا عَدَمِيًّا ، فَلَيْسَ كُلُّ مُبْتَدَعٍ فِي الْعَدَمِ ، بَلْ مِنْهَا [ مَا هُوَ دَاخِلٌ فِي غَيْرِهِ ، كَالسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فِي الْكُرْسِيِّ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَمِنْهَا ] مَا هُوَ مُنْتَهَى الْمَخْلُوقَاتِ ، كَالْعَرْشِ , فَسَطْحُ الْعَالَمِ لَيْسَ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ ، قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ ، كَمَا تَقَدَّمَ . وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ : بِأَنَّ " سَائِرَ " بِمَعْنَى الْبَقِيَّةِ ، لَا بِمَعْنَى الْجَمِيعِ ، وَهَذَا أَصْلُ مَعْنَاهَا ، وَمِنْهُ " السُّؤْرُ " ، وَهُوَ مَا يُبْقِيهِ الشَّارِبُ فِي الْإِنَاءِ , فَيَكُونُ مُرَادُهُ غَالِبَ الْمَخْلُوقَاتِ ، لَا جَمِيعَهَا ، إِذِ " السَّائِرُ " عَلَى الْغَالِبِ أَدَلُّ مِنْهُ عَلَى الْجَمِيعِ ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى غَيْرُ مَحْوِيٍّ , كَمَا يَكُونُ أَكْثَرُ الْمَخْلُوقَاتِ مَحْوِيًّا ، بَلْ هُوَ غَيْرُ مَحْوِيٍّ بِشَيْءٍ ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ , وَلَا نَظُنُّ بِالشَّيْخِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ مِمَّنْ يَقُولُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ بنفي التعيينين ، كَمَا ظَنَّهُ بَعْضُ الشَّارِحِينَ ، بَلْ مُرَادُهُ : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يُحِيطَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ ، وَأَنْ يَكُونَ مُفْتَقِرًا إِلَى شَيْءٍ مِنْهَا ، الْعَرْشِ أَوْ غَيْرِهِ . وَفِي ثُبُوتِ هَذَا الْكَلَامِ عَنِ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَظَرٌ ، فَإِنَّ أَضْدَادَهُ قَدْ شَنَّعُوا عَلَيْهِ بِأَشْيَاءَ أَهْوَنَ مِنْهُ ، فَلَوْ سَمِعُوا مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ لَشَاعَ عَنْهُمْ تَشْنِيعُهُمْ عَلَيْهِ بِهِ ، وَقَدْ نَقَلَ أَبُو مُطِيعٍ الْبَلْخِيُّ عَنْهُ إِثْبَاتَ الْعُلُوِّ ، كَمَا سَيَأْتِي ذِكْرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى , وَظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ يَقْتَضِي نَفْيَهُ ، وَلَمْ يَرِدْ بِمِثْلِهِ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ ، فَلِذَلِكَ قُلْتُ : إِنَّ فِي ثُبُوتِهِ عَنِ الْإِمَامِ نَظَرًا ، وَإِنَّ الْأَوْلَى التَّوَقُّفُ فِي إِطْلَاقِهِ ، فَإِنَّ الْكَلَامَ بِمِثْلِهِ خَطَرٌ ، بِخِلَافِ الْكَلَامِ بِمَا وَرَدَ عَنِ الشَّارِعِ ، كَالِاسْتِوَاءِ وَالنُّزُولِ وَنَحْوِ ذَلِكَ , وَمَنْ ظَنَّ مِنَ الْجُهَّالِ أَنَّهُ إِذَا " نَزَلَ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا " 1 كَمَا أَخْبَرَ الصَّادِقُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يَكُونُ الْعَرْشُ فَوْقَهُ ، وَيَكُونُ مَحْصُورًا بَيْنَ طَبَقَتَيْنِ مِنَ الْعَالَمِ ! فَقَوْلُهُ مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ السَّلَفِ ، مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ . وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو عُثْمَانَ إسماعيل بن عبد الرحمن
هامش
1 متفق عليه بل هو متواتر ، وقد خرجته في " إرواء الغليل " " 450 " , وراجع إن شئت بعض ألفاظه الصحيحة في " صحيح الجامع الصغير " رقم " 1914 " .
شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 222 | ابن أبي العز الحنفي / جماعة من العلماء