وَذَكَرَ فِي « الْوَسِيطِ » وَجْهًا : أَنَّهُ يَتَبَيَّنُ بُطْلَانُ الْبَيْعِ لِتَبَيُّنِ انْتِفَاءِ الْمَعْرِفَةِ . قَالَ الْإِمَامُ : وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِتَغَيُّرِهِ حُدُوثَ عَيْبٍ ، فَإِنَّ خِيَارَ الْعَيْبِ لَا يَخْتَصُّ بِهَذِهِ الصُّورَةِ ، بَلِ الرُّؤْيَةُ بِمَنْزِلَةِ الشَّرْطِ فِي الصِّفَاتِ الْكَائِنَةِ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ . فَكُلُّ مَا فَاتَ مِنْهَا ، فَهُوَ كَتَبَيُّنِ الْخُلْفِ فِي الشَّرْطِ . وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ مِمَّا يَتَغَيَّرُ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْمُدَّةِ غَالِبًا ، بِأَنْ رَأَى مَا يُسْرِعُ فَسَادُهُ مِنَ الْأَطْعِمَةِ ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ بَعْدَ مُدَّةٍ صَالِحَةٍ ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ . وَإِنْ مَضَتْ مُدَّةٌ يُحْتَمَلُ أَنْ يَتَغَيَّرَ فِيهَا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَتَغَيَّرَ ، أَوْ كَانَ حَيَوَانًا ، فَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ . فَإِنْ وَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا ، فَلَهُ الْخِيَارُ . وَإِذَا اخْتَلَفَا ، فَقَالَ الْمُشْتَرِي : تَغَيَّرَ . وَقَالَ الْبَائِعُ : هُوَ بِحَالِهِ ، فَالْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ ، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ يَدَّعِي عَلَيْهِ عِلْمَهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ ، فَلَمْ يَقْبَلْ كَادِّعَائِهِ اطِّلَاعَهُ عَلَى الْعَيْبِ . وَالثَّانِي : الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ .
الثَّانِي : اسْتِقْصَاءُ الْأَوْصَافِ عَلَى الْحَدِّ الْمُعْتَبَرِ فِي السَّلَمِ ، هَلْ يَقُومُ مَقَامَ الرُّؤْيَةِ - وَكَذَا سَمَاعُ وَصْفِهِ - بِطُرُقِ التَّوَاتُرِ ؟ وَجْهَانِ . أَصَحُّهُمَا : لَا ، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ .
الثَّالِثُ : لَوْ رَأَى بَعْضَ الشَّيْءِ دُونَ بَعْضٍ ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِرُؤْيَةِ بَعْضِهِ عَلَى الْبَاقِي ، صَحَّ الْبَيْعُ قَطْعًا ، وَذَلِكَ مِثْلُ رُؤْيَةِ ظَاهِرِ صُبْرَةِ الْحِنْطَةِ وَنَحْوِهَا . ثُمَّ لَا خِيَارَ إِذَا رَأَى بَاطِنَهَا ، إِلَّا إِذَا خَالَفَ ظَاهِرَهَا . وَحُكِيَ قَوْلٌ شَاذٌّ ضَعِيفٌ : أَنَّهُ لَا يَكْفِي رُؤْيَةُ ظَاهِرِ الصُّبْرَةِ ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُقَلِّبَهَا لِيَعْرِفَ بَاطِنَهَا ، وَالْمَشْهُورُ هُوَ الْأَوَّلُ . وَفِي مَعْنَى الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ ، صُبْرَةُ الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالدَّقِيقِ . فَلَوْ كَانَ شَيْءٌ مِنْهَا فِي وِعَاءٍ ، فَرَأَى أَعْلَاهُ ، أَوْ رَأَى أَعْلَى السَّمْنِ وَالْخَلِّ وَسَائِرِ الْمَائِعَاتِ فِي ظُرُوفِهَا ، كَفَى . وَلَوْ كَانَتِ الْحِنْطَةُ فِي بَيْتٍ مَمْلُوءٍ مِنْهَا ، فَرَأَى بَعْضَهَا مِنَ الْكُوَّةِ أَوِ الْبَابِ ، كَفَى إِنْ عَرَفَ سِعَةَ الْبَيْتِ وَعُمْقِهِ ، وَإِلَّا ، فَلَا . وَكَذَا حُكْمُ الْجَمَدِ فِي الْمُجَمَّدَةِ . وَلَا تَكْفِي رُؤْيَةُ صُبْرَةِ الْبِطِّيخِ ، وَالسَّفَرْجَلِ ، وَالرُّمَّانِ ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ رُؤْيَةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا . وَلَا يَكْفِي فِي سَلَّةِ الْعِنَبِ وَالْخَوْخِ وَنَحْوِهِمَا ، رُؤْيَةُ أَعْلَاهَا ؛ لِكَثْرَةِ الِاخْتِلَافِ فِيهَا ، بِخِلَافِ الْحُبُوبِ . وَأَمَّا التَّمْرُ ، فَإِنْ لَمْ تَلْزَقْ حَبَّاتُهُ ، فَصُبْرَتُهُ
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي ) — صفحة 372
مساهمون: النووي
ص٣٧٢