وَلَكِنَّ جُنُونَهُ يَحْرِمُهُ الزِّيَادَةَ مِنَ الْخَيْرِ ، كَمَا أَنَّهُ يَمْنَعُ عُقُوبَتَهُ عَلَى الشَّرِّ ، وَلَا يَمْحُو عَنْهُ مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَهُ .
وَمَا يَحْصُلُ لِبَعْضِهِمْ عِنْدَ سَمَاعِ الْأَنْغَامِ الْمُطْرِبَةِ ، مِنَ الْهَذَيَانِ ، وَالتَّكَلُّمِ ببَعْضِ اللُّغَاتِ الْمُخَالِفَةِ لِلِسَانِ الْمَعْرُوفِ مِنْهُ ! ! فَذَلِكَ شَيْطَانٌ يَتَكَلَّمُ عَلَى لِسَانِهِ ، كَمَا يَتَكَلَّمُ عَلَى لِسَانِ الْمَصْرُوعِ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنَ الْأَحْوَالِ الشَّيْطَانِيَّةِ ! وَكَيْفَ يَكُونُ زَوَالُ الْعَقْلِ سَبَبًا أَوْ شَرْطًا أَوْ تَقَرُّبًا إِلَى وِلَايَةِ اللَّهِ ، كَمَا يَظُنُّهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالِ ؟ ! حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ :
هُمْ مَعْشَرٌ حَلُّوا النِّظَامَ وَخَرَّقُوا ال . . . سِّيَاجَ فَلَا فَرْضٌ لَدَيْهِمْ وَلَا نَفْلُ
مَجَانِينُ ، إِلَّا أَنَّ سِرَّ جُنُونِهِمْ . . . عَزِيزٌ عَلَى أَبْوَابِهِ يَسْجُدُ الْعَقْلُ
وَهَذَا كَلَامُ ضَالٍّ ، بَلْ كَافِرٍ ، يَظُنُّ أَنَّ [ فِي ] الْجُنُونِ سِرًّا يَسْجُدُ الْعَقْلُ عَلَى بَابِهِ ! ! لِمَا رَآهُ مِنْ بَعْضِ الْمَجَانِينِ مِنْ نَوْعِ مُكَاشَفَةٍ ، أَوْ تَصَرُّفٍ عَجِيبٍ خَارِقٍ لِلْعَادَةِ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ [ بِسَبَبِ ] ( 1 ) مَا اقْتَرَنَ بِهِ مِنَ الشَّيَاطِينِ ، كَمَا يَكُونُ لِلسَّحَرَةِ وَالْكُهَّانِ ! فَيَظُنُّ هَذَا الضَّالُّ أَنَّ كُلَّ مَنْ خُبِلَ ( 2 ) أَوْ خَرَقَ عَادَةً كَانَ وَلِيًّا لِلَّهِ ! ! وَمَنِ اعْتَقَدَ هَذَا فَهُوَ كَافِرٌ ، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ } { تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ } ( 3 ) . فَكُلُّ مَنْ تَنْزِلُ عَلَيْهِ الشَّيَاطِينُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ كَذِبٌ وَفُجُورٌ .
وَأَمَّا الَّذِينَ يَتَعَبَّدُونَ بِالرِّيَاضَاتِ وَالْخَلَوَاتِ ، وَيَتْرُكُونَ الْجُمَعَ وَالْجَمَاعَاتِ ، فَهُمُ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ، قَدْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ . كَمَا قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ
هامش
( 1 ) في الأصل : ( سبب ) والتصويب من الفتاوى ( 10 / 445 ) . ن
( 2 ) الذي في الفتاوى : ( كاشف ) . ن
( 3 ) الشُّعَرَاءِ : 221 - 222