وَكَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يَظُنُّ أَنَّهُ يَصِلُ بِرِيَاسَتِهِ وَاجْتِهَادِهِ فِي الْعِبَادَةِ ، [ وَتَصْفِيَةِ ] ( 1 ) نَفْسِهِ ، إِلَى مَا وَصَلَتْ إِلَيْهِ الْأَنْبِيَاءُ مِنْ غَيْرِ اتِّبَاعٍ لِطَرِيقَتِهِمْ ! .
وَمِنْهُمْ مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ صَارَ أَفْضَلَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ! !
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ إِنَّمَا يَأْخُذُونَ الْعِلْمَ بِاللَّهِ مِنْ مِشْكَاةِ خَاتَمِ الْأَوْلِيَاءِ ! ! وَيَدَّعِي لِنَفْسِهِ أَنَّهُ خَاتَمُ الْأَوْلِيَاءِ ! ! وَيَكُونُ ذَلِكَ الْعِلْمُ هُوَ حَقِيقَةُ قَوْلِ فِرْعَوْنَ ، وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْوُجُودَ الْمَشْهُودَ وَاجِبٌ بِنَفْسِهِ ، لَيْسَ لَهُ صَانِعٌ مُبَايِنٌ لَهُ ، لَكِنَّ هَذَا يَقُولُ : هُوَ اللَّهُ ! وَفِرْعَوْنُ أَظْهَرَ الْإِنْكَارَ بِالْكُلِّيَّةِ ، لَكِنْ كَانَ فِرْعَوْنُ فِي الْبَاطِنِ أَعْرَفَ بِاللَّهِ مِنْهُمْ ، فَإِنَّهُ كَانَ مُثْبِتًا لِلصَّانِعِ ، وَهَؤُلَاءِ ظَنُّوا أَنَّ الْوُجُودَ الْمَخْلُوقَ هُوَ الْوُجُودُ الْخَالِقُ ، كَابْنِ عَرَبِيٍّ وَأَمْثَالِهِ ! ! وَهُوَ لَمَّا رَأَى أَنَّ الشَّرْعَ الظَّاهِرَ لَا سَبِيلَ إِلَى تَغْيِيرِهِ - قَالَ : النُّبُوَّةُ خُتِمَتْ ، لَكِنَّ الْوِلَايَةَ لَمْ تُخْتَمْ ! وَادَّعَى مِنَ الْوِلَايَةِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ النُّبُوَّةِ وَمَا يَكُونُ لِلْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ ، وَأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مُسْتَفِيدُونَ مِنْهَا ! كَمَا قَالَ :
مَقَامُ النُّبُوَّةِ فِي بَرْزَخٍ . . . فُوَيْقَ الرَّسُولِ وَدُونَ الْوَلِيِّ !
وَهَذَا قَلْبٌ لِلشَّرِيعَةِ ، فَإِنَّ الْوِلَايَةَ ثَابِتَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } { الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ } ( 2 ) . وَالنُّبُوَّةُ أَخَصُّ مِنَ الْوِلَايَةِ ، وَالرِّسَالَةُ أَخَصُّ مِنَ النُّبُوَّةِ ، كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ .
وَقَالَ ابْنُ عَرَبِيٍّ أَيْضًا فِي فُصُوصِهِ : وَلَمَّا مَثَّلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النُّبُوَّةَ بِالْحَائِطِ مِنَ اللَّبِنِ فَرَآهَا قَدْ كَمُلَتْ إِلَّا لَبِنَةً ، فَكَانَ هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْضِعَ اللَّبِنَةِ ، وَأَمَّا خَاتَمُ الْأَوْلِيَاءِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ هَذِهِ الرُّؤْيَةِ ، فَيَرَى مَا مَثَّلَهُ النَّبِيُّ
هامش
( 1 ) في الأصل : ( ويضيف ) . والصواب ما أثبتناه من سائر النسخ . ن
( 2 ) يُونُسَ : 62 - 63