تَوْبَتِهِ خِلَافٌ ، وَالصَّحِيحُ عَدَمُ قَبُولِهَا ، وَهِيَ رِوَايَةُ مُعَلَّى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ .
قَوْلُهُ : ( وَنُؤْمِنُ بِمَا جَاءَ مِنْ كَرَامَاتِهِمْ ، وَصَحَّ عَنِ الثِّقَاتِ مِنْ رِوَايَاتِهِمْ ) .
ش : فالْمُعْجِزَةُ فِي اللُّغَةِ تَعُمُّ كُلَّ خَارِقٍ لِلْعَادَةِ ، وَ [ كذلك الكرامة ] فِي عُرْفِ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ الْمُتَقَدِّمِينَ . وَلَكِنْ كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ يُفَرِّقُونَ فِي اللَّفْظِ بَيْنَهُمَا ، فَيَجْعَلُونَ الْمُعْجِزَةَ لِلنَّبِيِّ ، وَالْكَرَامَةَ لِلْوَلِيِّ . وَجِمَاعُهُمَا : الْأَمْرُ الْخَارِقُ لِلْعَادَةِ .
والْكَمَالُ يَرْجِعُ إِلَى ثَلَاثَةٍ : الْعِلْمِ ، وَالْقُدْرَةِ ، وَالْغِنَى . وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ لَا تَصْلُحُ عَلَى الْكَمَالِ إِلَّا لِلَّهِ وَحْدَهُ ، فَإِنَّهُ الَّذِي أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، وَهُوَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ . وَلِهَذَا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَبْرَأَ مِنْ دَعْوَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ بِقَوْلِهِ : { قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ } ( 1 ) .
وَكَذَلِكَ قَالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَهَذَا أَوَّلُ أُولِي الْعَزْمِ ، وَأَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ ، وَهَذَا خَاتَمُ الرُّسُلِ ، وَخَاتَمُ أُولِي الْعَزْمِ ، وَكِلَاهُمَا تَبَرَّأَ مِنْ ذَلِكَ ، وَهَذَا لِأَنَّهُمْ يُطَالِبُونَهُمْ تَارَةً بِعِلْمِ الْغَيْبِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا } ( 2 ) ، وَتَارَةً بِالتَّأْثِيرِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا } الْآيَاتِ ( 3 ) ، وَتَارَةً يَعِيبُونَ عَلَيْهِمُ الْحَاجَةَ الْبَشَرِيَّةَ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ } ( 4 ) الْآيَةَ .
فَأُمِرَ الرَّسُولُ أَنْ يُخْبِرَهُمْ بِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا يَنَالُ مِنْ تِلْكَ الثَّلَاثَةِ بِقَدْرِ مَا يُعْطِيهِ اللَّهُ ، فَيَعْلَمُ مَا عَلَّمَهُ اللَّهُ إِيَّاهُ ، وَيَسْتَغْنِي عَمَّا
هامش
( 1 ) الْأَنْعَامِ : 50
( 2 ) النَّازِعَاتِ : 42
( 3 ) الْإِسْرَاءِ : 90
( 4 ) الْفُرْقَانِ : 7