تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 469

مساهمون:

ص٤٦٩
{ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ } ( 1 ) . فأخبر سبحانه أنه يبتدئ بتدبير [ الأمر ] ، ثُمَّ يَصْعَدُ إِلَيْهِ الْأَمْرُ الَّذِي دَبَّرَهُ ، فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي يَقْذِفُ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ حَرَكَةَ الدُّعَاءِ ، وَيَجْعَلُهَا سَبَبًا لِلْخَيْرِ الَّذِي يُعْطِيهِ إِيَّاهُ ، كَمَا فِي الْعَمَلِ وَالثَّوَابِ ، فَهُوَ الَّذِي وَفَّقَ الْعَبْدَ لِلتَّوْبَةِ ثُمَّ قَبِلَهَا ، وَهُوَ الَّذِي وَفَّقَهُ لِلْعَمَلِ ثُمَّ أَثَابَهُ ، وَهُوَ الَّذِي وَفَّقَهُ لِلدُّعَاءِ ثُمَّ أَجَابَهُ ، فَمَا أَثَّرَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ ، بَلْ هُوَ جَعَلَ مَا يَفْعَلُهُ سَبَبًا لِمَا يَفْعَلُهُ . قَالَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ ، أَحَدُ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ : نَظَرْتُ فِي هَذَا الْأَمْرِ ، فَوَجَدْتُ مَبْدَأَهُ مِنَ اللَّهِ ، وَتَمَامَهُ عَلَى اللَّهِ ، وَوَجَدْتُ مِلَاكَ ذَلِكَ الدُّعَاءَ . وَهُنَا سُؤَالٌ مَعْرُوفٌ ، وَهُوَ : أَنَّ مِنَ النَّاسِ من قد يسأل الله فلا يعطى ، أَوْ يُعْطَى غَيْرَ مَا سَأَلَ ؟ وَقَدْ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ ، فِيهَا ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٍ مُحَقَّقَةٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ الْآيَةَ لَمْ تَتَضَمَّنْ عَطِيَّةَ السُّؤَالِ مُطْلَقًا ، وَإِنَّمَا تَضَمَّنَتْ إِجَابَةَ الدَّاعِي ، وَالدَّاعِي أَعَمُّ مِنَ السَّائِلِ ، وَإِجَابَةُ الدَّاعِي أَعَمُّ مِنْ إِعْطَاءِ السَّائِلِ . وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ : مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ » ؟ . فَفَرْقٌ بَيْنَ الدَّاعِي وَالسَّائِلِ ، وَبَيْنَ الْإِجَابَةِ وَالْإِعْطَاءِ ، وَهُوَ فَرْقٌ بِالْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ ، كَمَا أَتْبَعَ ذَلِكَ بِالْمُسْتَغْفِرِ ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ السَّائِلِ ، فَذَكَرَ الْعَامَّ ثُمَّ الْخَاصَّ ثُمَّ الْأَخَصَّ . وَإِذَا عَلِمَ الْعِبَادُ أَنَّهُ قَرِيبٌ ، مجيب دعوة الداعي ، [ و ] علموا قربه منهم ، وتمكنهم من سؤاله - : علموا عِلْمَهُ وَرَحْمَتَهْ وَقُدْرَتَهُ ، فَدَعَوْهُ دُعَاءَ الْعِبَادَةِ فِي حَالٍ ، وَدُعَاءَ الْمَسْأَلَةِ فِي حَالٍ ، وَجَمَعُوا بَيْنَهُمَا فِي حَالٍ ، إِذِ " الدُّعَاءُ " اسْمٌ يَجْمَعُ الْعِبَادَةَ وَالِاسْتِعَانَةَ ، وَقَدْ فُسِّرَ قَوْلُهُ : { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } ( 2 ) - بِالدُّعَاءِ ، الَّذِي هُوَ الْعِبَادَةُ ، وَالدُّعَاءِ الَّذِي هُوَ الطلب . وقوله بعد ذلك :
هامش
( 1 ) السجدة 5 ( 2 ) غافر 60