تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 467

مساهمون:

ص٤٦٧
الرَّابِعُ : الْكَرَمُ ، فَإِنَّ الْبَخِيلَ لَا يُدْعَى . الْخَامِسُ : الرَّحْمَةُ ، فَإِنَّ الْقَاسِيَ لَا يُدْعَى . السَّادِسُ : الْقُدْرَةُ ، فَإِنَّ الْعَاجِزَ لَا يُدْعَى . وَمَنْ يَقُولُ بِالطَّبَائِعِ يَعْلَمُ أَنَّ النَّارَ لَا يُقَالُ لَهَا : كُفِّي ! وَلَا النَّجْمُ يُقَالُ لَهُ : أَصْلِحَ مِزَاجِي ! ! لِأَنَّ هَذِهِ عِنْدَهُمْ مُؤَثِّرَةٌ طَبْعًا لَا اخْتِيَارًا ، فَشَرَعَ الدُّعَاءَ وَصَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ لِيُبَيِّنَ كَذِبَ أَهْلِ الطَّبَائِعِ . وَذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَغَالِيَةِ الْمُتَصَوِّفَةِ [ إِلَى ] أَنَّ الدُّعَاءَ لَا فَائِدَةَ فِيهِ ! قَالُوا : لِأَنَّ الْمَشِيئَةَ الْإِلَهِيَّةَ إِنِ اقْتَضَتْ وُجُودَ الْمَطْلُوبِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى الدُّعَاءِ ، وَإِنْ لَمْ تَقْتَضِهِ فَلَا فَائِدَةَ فِي الدُّعَاءِ ! ! وَقَدْ يَخُصُّ بَعْضُهُمْ بِذَلِكَ خَوَاصَّ الْعَارِفِينَ ! وَيَجْعَلُ الدُّعَاءَ عِلَّةً فِي مَقَامِ الْخَوَاصِّ ! ! وَهَذَا مِنْ غَلَطَاتِ بَعْضِ الشُّيُوخِ . فَكَمَا أَنَّهُ مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ - فَهُوَ مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِالضَّرُورَةِ الْعَقْلِيَّةِ ، فَإِنَّ مَنْفَعَةَ الدعاء أمر أنشئت عَلَيْهِ تَجَارِبُ الْأُمَمِ ، حَتَّى إِنَّ الْفَلَاسِفَةَ تَقُولُ : ضَجِيجُ الْأَصْوَاتِ ، فِي هَيَاكِلِ الْعِبَادَاتِ ، بِفُنُونِ اللُّغَاتِ ، تحلل مَا عَقَدَتْهُ الْأَفْلَاكُ الْمُؤَثِّرَاتُ ! ! هَذَا وَهُمْ مُشْرِكُونَ . وَجَوَابُ الشُّبْهَةِ بِمَنْعِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ : فَإِنَّ قَوْلَهُمْ عَنِ الْمَشِيئَةِ الْإِلَهِيَّةِ : إِمَّا أَنْ تَقْتَضِيَهُ أَوْ لَا - [ ف - ] ثُمَّ قِسْمٌ ثَالِثٌ ، وَهُوَ : أَنْ تَقْتَضِيَهُ بِشَرْطٍ لَا تَقْتَضِيهِ مَعَ عَدَمِهِ ، وَقَدْ يَكُونُ الدُّعَاءُ مِنْ شَرْطِهِ ، كَمَا تُوجِبُ الثَّوَابَ مَعَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ ، وَلَا تُوجِبُهُ مَعَ عَدَمِهِ ، وَكَمَا تُوجِبُ الشِّبَعَ وَالرِّيَّ عِنْدَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ ، وَلَا تُوجِبُهُ مَعَ عَدَمِهِمَا ، وَحُصُولَ الْوَلَدِ بِالْوَطْءِ ، وَالزَّرْعَ بِالْبَذْرِ . فَإِذَا قُدِّرَ وُقُوعُ الْمَدْعُوِّ بِهِ بِالدُّعَاءِ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يُقَالَ لَا فَائِدَةَ فِي الدُّعَاءِ ، كَمَا لَا يُقَالُ لَا فَائِدَةَ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْبَذْرِ وَسَائِرِ الْأَسْبَابِ . فَقَوْلُ هَؤُلَاءِ - كَمَا أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلشَّرْعِ ، فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْحِسِّ وَالْفِطْرَةِ .