تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 468

مساهمون:

ص٤٦٨
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ ، مَا قَالَهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، وَهُوَ : أَنَّ الِالْتِفَاتَ إِلَى الْأَسْبَابِ شِرْكٌ فِي التَّوْحِيدِ ! وَمَحْوُ الْأَسْبَابِ أَنْ تَكُونَ أَسْبَابًا ، نَقْصٌ فِي الْعَقْلِ ، وَالْإِعْرَاضُ عَنِ الْأَسْبَابِ بِالْكُلِّيَّةِ قَدْحٌ فِي الشَّرْعِ . وَمَعْنَى التَّوَكُّلِ وَالرَّجَاءِ ، يَتَأَلَّفُ مِنْ وُجُوبِ التَّوْحِيدِ وَالْعَقْلِ وَالشَّرْعِ . وَبَيَانُ ذَلِكَ : أَنَّ الِالْتِفَاتَ إِلَى السَّبَبِ هُوَ اعْتِمَادُ الْقَلْبِ عَلَيْهِ ، وَرَجَاؤُهُ وَالِاسْتِنَادُ إِلَيْهِ . وَلَيْسَ فِي الْمَخْلُوقَاتِ مَا يَسْتَحِقُّ هَذَا ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَقِلٍّ ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ شُرَكَاءَ وَأَضْدَادٍ مَعَ هَذَا كُلِّهِ ، فَإِنْ لَمْ يُسَخِّرْهُ مُسَبِّبُ الْأَسْبَابِ لَمْ يُسَخَّرْ . وَقَوْلُهُمْ : إِنِ اقْتَضَتِ الْمَشِيئَةُ الْمَطْلُوبَ فَلَا حَاجَةَ إِلَى الدُّعَاءِ ؟ قُلْنَا : بَلْ قَدْ تَكُونُ إِلَيْهِ حَاجَةٌ ، مِنْ تَحْصِيلِ مَصْلِحَةٍ أُخْرَى عَاجِلَةٍ وَآجِلَةٍ ، وَدَفْعِ مَضَرَّةٍ أُخْرَى عَاجِلَةٍ وَآجِلَةٍ . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ : وَإِنْ لَمْ تَقْتَضِهِ ( 1 ) فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ ؟ قُلْنَا : بَلْ فِيهِ فَوَائِدُ عَظِيمَةٌ ، مِنْ جَلْبِ مَنَافِعَ ، وَدَفْعِ مَضَارَّ ، كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بَلْ مَا يُعَجِّلُ لِلْعَبْدِ ، مِنْ مَعْرِفَتِهِ بِرَبِّهِ ، وَإِقْرَارِهِ بِهِ ، وَبِأَنَّهُ سُمَيْعٌ قَرِيبٌ قَدِيرٌ عَلِيمٌ رَحِيمٌ ، وَإِقْرَارِهِ بِفَقْرِهِ إِلَيْهِ وَاضْطِرَارِهِ إِلَيْهِ ، وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنَ الْعُلُومِ الْعَلِيَّةِ وَالْأَحْوَالِ الزَّكِيَّةِ ، الَّتِي هِيَ مِنْ أَعْظَمِ الْمَطَالِبِ . فَإِنْ قِيلَ : إِذَا كَانَ إِعْطَاءُ اللَّهِ مُعَلَّلًا بِفِعْلِ الْعَبْدِ ، كَمَا يُعْقَلُ من إعطاء [ المسؤول ] ( 2 ) للسائل ، كان السائل قد أثر في المسؤول حَتَّى أَعْطَاهُ ؟ ! قُلْنَا : الرَّبُّ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي حَرَّكَ الْعَبْدَ إِلَى دُعَائِهِ ، فَهَذَا الْخَيْرُ مِنْهُ ، وَتَمَامُهُ عَلَيْهِ . كَمَا قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " إِنِّي لَا أَحْمِلُ هَمَّ الْإِجَابَةِ ، وَإِنَّمَا أَحْمِلُ هَمَّ الدُّعَاءِ ، وَلَكِنْ إِذَا أُلْهِمْتُ الدُّعَاءَ فَإِنَّ الْإِجَابَةَ مَعَهُ " . وَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى :
هامش
( 1 ) في المطبوعة « وإن تقتضيه » ! وهو خطأ ولحن ( 2 ) في الأصل : ( المال ) . ولعل الصواب ما أثبتناه . ن