تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 449

مساهمون:

ص٤٤٩
وَغَلَبَ قَضَاؤُهُ الْحِيَلَ كُلَّهَا . يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ، وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ أَبَدًا . لَا يُسْأَلُ عَمَّا يفعل وهم يسألون ) . ش : فَقَوْلُهُ : " لَمْ يُكَلِّفْهُمُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَّا مَا يُطِيقُونَ " - قَالَ تَعَالَى : { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا } ( 1 ) . { لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا } ( 2 ) . وَعَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ جَائِزٌ عَقْلًا ، ثُمَّ تَرَدَّدَ أَصْحَابُهُ أَنَّهُ : هَلْ وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ أَمْ لَا ؟ وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِوُرُودِهِ بِأَمْرِ أَبِي لَهَبٍ بِالْإِيمَانِ ، فَإِنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ بِأَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ ، وَأَنَّهُ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ، فَكَانَ مَأْمُورًا بِأَنْ يُؤْمِنَ بِأَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ . وَهَذَا تَكْلِيفٌ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ ، وَهُوَ مُحَالٌ . وَالْجَوَابُ عَنْ هذا بالمنع : فلا نسلم بأنه مَأْمُورٌ [ بِأَنْ يُؤْمِنَ ] بِأَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ ، وَالِاسْتِطَاعَةُ الَّتِي بِهَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِيمَانِ كَانَتْ حَاصِلَةً ، فَهُوَ غَيْرُ عَاجِزٍ عَنْ تَحْصِيلِ الْإِيمَانِ ، فَمَا كُلِّفَ إِلَّا مَا يُطِيقُهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الِاسْتِطَاعَةِ . وَلَا يَلْزَمُ قَوْلُهُ تَعَالَى لِلْمَلَائِكَةِ : { أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ } ( 3 ) . مَعَ عَدَمِ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ ، وَلَا لِلْمُصَوِّرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : " " أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ » ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ - لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَكْلِيفِ طَلَبِ فِعْلٍ يُثَابُ فَاعِلُهُ وَيُعَاقَبُ تَارِكُهُ ، بَلْ هُوَ خِطَابُ تَعْجِيزٍ . وَكَذَا لَا يَلْزَمُ دُعَاءُ الْمُؤْمِنِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : { رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ } ( 4 ) لِأَنَّ تَحْمِيلَ مَا لَا يُطَاقُ لَيْسَ تَكْلِيفًا ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُحَمِّلَهُ جَبَلًا لَا يُطِيقُهُ فَيَمُوتَ . وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : أَيْ لَا تُحَمِّلْنَا مَا يَثْقُلُ عَلَيْنَا أَدَاؤُهُ وَإِنْ كُنَّا مُطِيقِينَ لَهُ عَلَى تَجَشُّمٍ وَتَحَمُّلٍ مَكْرُوهٍ ، قَالَ : فَخَاطَبَ الْعَرَبَ عَلَى حَسَبِ مَا تَعْقِلُ ، فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ يَقُولُ لِلرَّجُلِ يُبْغِضُهُ : مَا أُطِيقُ النَّظَرَ إليه ، وهو مطيق لذلك ، لكنه يثقل عليه .
هامش
( 1 ) البقرة 286 ( 2 ) الأنعام 152 ( 3 ) البقرة 31 ( 4 ) البقرة 286
شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 449 | ابن أبي العز الحنفي / جماعة من العلماء