وَلَمَّا اسْتَشْكَلَ أَعْدَاؤُهُ الْمُشْرِكُونَ هَذَا التَّخْصِيصَ ، قَالُوا : { أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا } ( 1 ) ؟ قَالَ تَعَالَى مُجِيبًا لَهُمْ : { أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ } ( 2 ) . فَتَأَمَّلْ هَذَا الْجَوَابَ ، تَرَ فِي ضِمْنِهِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ بِالْمَحَلِّ الَّذِي يَصْلُحُ لِغَرْسِ شَجَرَةِ النِّعْمَةِ فَتُثْمِرُ بِالشُّكْرِ ، مِنَ الْمَحَلِّ الَّذِي لَا يَصْلُحُ لِغَرْسِهَا ، فَلَوْ غُرِسَتْ فِيهِ لَمْ تُثْمِرْ ، فَكَانَ غَرْسُهَا هُنَاكَ ضَائِعًا لَا يَلِيقُ بِالْحِكْمَةِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } ( 3 ) .
فَإِنْ قِيلَ : إِذَا حَكَمْتُمْ بِاسْتِحَالَةِ الْإِيجَادِ مِنَ الْعَبْدِ ، فَإِذًا لَا فِعْلَ لِلْعَبْدِ أَصْلًا ؟ قِيلَ : الْعَبْدُ فَاعِلٌ لِفِعْلِهِ حَقِيقَةً ، وَلَهُ قُدْرَةٌ حَقِيقَةً . قَالَ تَعَالَى : { وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ } ( 4 ) . { فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } ( 5 ) وَأَمْثَالُ ذَلِكَ .
وَإِذَا ثَبَتَ كَوْنُ الْعَبْدِ فَاعِلًا ، فَأَفْعَالُهُ نَوْعَانِ :
نَوْعٌ يَكُونُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ اقْتِرَانِ قُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ ، فَيَكُونُ صِفَةً لَهُ وَلَا يَكُونُ فِعْلًا ، كَحَرَكَاتِ الْمُرْتَعِشِ .
وَنَوْعٌ يَكُونُ مِنْهُ مُقَارِنًا لِإِيجَادِ قُدْرَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ ، فَيُوصَفُ بِكَوْنِهِ صِفَةً وَفِعْلًا وَكَسْبًا لِلْعَبْدِ ، كَالْحَرَكَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ . وَاللَّهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي جَعَلَ الْعَبْدَ فَاعِلًا مُخْتَارًا ، وَهُوَ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ . وَلِهَذَا أَنْكَرَ السَّلَفُ الْجَبْرَ ، فَإِنَّ الْجَبْرَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ عَاجِزٍ ، فَلَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ الْإِكْرَاهِ ، يُقَالُ : لِلْأَبِ وِلَايَةُ إِجْبَارِ الْبِكْرِ الصَّغِيرَةِ عَلَى النِّكَاحِ ، وَلَيْسَ لَهُ إِجْبَارُ الثَّيِّبِ الْبَالِغِ ، أَيْ : لَيْسَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا مُكْرَهَةً .
وَاللَّهُ تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِالْإِجْبَارِ بِهَذَا الاعتبار ، لأنه سبحانه خالق الإرادة
هامش
( 1 ) الأنعام 53
( 2 ) الأنعام 53
( 3 ) الأنعام 124
( 4 ) البقرة 197
( 5 ) هود 36