تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 446

مساهمون:

ص٤٤٦
خِلَافَهُ . وَأَمَّا إِذَا مَنَعَ غَيْرَهُ مَا لَيْسَ بِحَقٍّ لَهُ ، بَلْ هُوَ مَحْضُ فَضْلِهِ وَمِنَّتِهِ عَلَيْهِ - لَمْ يَكُنْ ظَالِمًا بِمَنْعِهِ ، فَمَنْعُ الْحَقِّ ظُلْمٌ ، وَمَنْعُ الْفَضْلِ وَالْإِحْسَانِ عَدْلٌ . وَهُوَ سُبْحَانَهُ الْعَدْلُ فِي مَنْعِهِ ، كَمَا هُوَ الْمُحْسِنُ الْمَنَّانُ بِعَطَائِهِ . فَإِنْ قِيلَ : فَإِذَا كَانَ الْعَطَاءُ وَالتَّوْفِيقُ إِحْسَانًا وَرَحْمَةً ، فَهَلَّا كَانَ الْعَمَلُ لَهُ وَالْغَلَبَةُ ، كَمَا أَنَّ رَحْمَتَهُ تَغْلِبُ غَضَبَهُ ؟ قِيلَ : الْمَقْصُودُ فِي هَذَا الْمَقَامِ بَيَانُ أَنَّ هَذِهِ الْعُقُوبَةَ الْمُتَرَتِّبَةَ عَلَى هَذَا الْمَنْعِ ، وَالْمَنْعَ الْمُسْتَلْزِمَ لِلْعُقُوبَةِ - لَيْسَ بِظُلْمٍ ، بَلْ هُوَ مَحْضُ الْعَدْلِ . وَهَذَا سُؤَالٌ عَنِ الْحِكْمَةِ الَّتِي أَوْجَبَتْ تَقْدِيمَ الْعَدْلِ عَلَى الْفَضْلِ فِي بَعْضِ الْمَحَالِّ ، وَهَلَّا سَوَّى بَيْنَ الْعِبَادِ فِي الْفَضْلِ ؟ وَهَذَا السُّؤَالُ حَاصِلُهُ : لم يتفضل عَلَى هَذَا وَلَمْ يَتَفَضَّلْ عَلَى الْآخَرِ ؟ وَقَدْ تَوَلَّى اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْجَوَابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ : { ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } ( 1 ) . وَقَوْلِهِ : { لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } ( 2 ) . وَلَمَّا سَأَلَهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى عَنْ تَخْصِيصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِأَجْرَيْنِ وَإِعْطَائِهِمْ [ هُمْ أَجْرًا أَجْرًا ] ( 3 ) ، « قَالَ : " هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا ؟ قَالُوا : لَا . قَالَ : فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ » . وَلَيْسَ فِي الْحِكْمَةِ إِطْلَاعُ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ النَّاسِ عَلَى كَمَالِ حِكْمَتِهِ فِي عَطَائِهِ وَمَنْعِهِ ، بَلْ إِذَا كَشَفَ اللَّهُ عَنْ بَصِيرَةِ الْعَبْدِ ، حتى أبصر جزءا يَسِيرًا مِنْ حِكْمَتِهِ فِي خَلْقِهِ ، وَأَمْرِهِ وَثَوَابِهِ وَعِقَابِهِ ، وَتَخْصِيصِهِ وَحِرْمَانِهِ ، وَتَأَمَّلَ أَحْوَالَ مَحَالِّ ذَلِكَ - اسْتَدَلَّ بِمَا عَلِمَهُ عَلَى مَا لَمْ يَعْلَمْهُ .
هامش
( 1 ) الحديد 21 ( 2 ) الحديد 29 ( 3 ) في الأصل : ( أجرهم ) . والصواب ما أثبتناه من سائر النسخ . ن
شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 446 | ابن أبي العز الحنفي / جماعة من العلماء