تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 451

مساهمون:

ص٤٥١
لِظَاهِرِ الشَّرْعِ ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ مِنْهُ عِلْمٌ . وَهَذِهِ لُغَةُ الْعَرَبِ وَسَائِرُ الْأُمَمِ ، فَمَنْ يُبْغِضُ غَيْرَهُ يُقَالُ : إِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ الْإِحْسَانَ إِلَيْهِ ، وَمَنْ يُحِبُّهُ يُقَالُ : إِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ عُقُوبَتَهُ ، لِشِدَّةِ مَحَبَّتِهِ لَهُ ، لَا لِعَجْزِهِ عَنْ عُقُوبَتِهِ ، فَيُقَالُ ذَلِكَ لِلْمُبَالَغَةِ ، كَمَا تَقُولُ : لَأَضْرِبَنَّهُ حَتَّى يَمُوتَ ، وَالْمُرَادُ الضَّرْبُ الشَّدِيدُ . وَلَيْسَ هَذَا عُذْرًا ، فَلَوْ لَمْ يَأْمُرِ الْعِبَادَ إِلَّا بِمَا يَهْوَوْنَهُ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ، قَالَ تَعَالَى : { وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ } ( 1 ) . وَقَوْلُهُ : " وَلَا يُطِيقُونَ إِلَّا مَا كَلَّفَهُمْ بِهِ " ، إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ - أَيْ : وَلَا يُطِيقُونَ إِلَّا مَا أَقْدَرَهُمْ عَلَيْهِ . وَهَذِهِ الطَّاقَةُ هِيَ الَّتِي مِنْ نَحْوِ التَّوْفِيقِ ، لَا الَّتِي مِنْ جِهَةِ الصحة والوسع والتمكن وسلامة الآلات ، و " لا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ " - دَلِيلٌ عَلَى إِثْبَاتِ الْقَدَرِ . وَقَدْ فَسَّرَهَا الشَّيْخُ بَعْدَهَا . وَلَكِنْ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ إِشْكَالٌ : فَإِنَّ التَّكْلِيفَ لَا يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْإِقْدَارِ ، وَإِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْأَمْرِ والنهي ، وهو قَالَ : " لَا يُكَلِّفُهُمْ إِلَّا مَا يُطِيقُونَ ، وَلَا يُطِيقُونَ إِلَّا مَا كَلَّفَهُمْ " . وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ ، لِأَنَّهُمْ يُطِيقُونَ فَوْقَ مَا كَلَّفَهُمْ بِهِ ، لَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ يُرِيدُ بِعِبَادِهِ الْيُسْرَ وَالتَّخْفِيفَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } ( 2 ) . وَقَالَ تَعَالَى : { يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ } ( 3 ) . وَقَالَ تَعَالَى : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } ( 4 ) . فَلَوْ زَادَ فِيمَا كَلَّفَنَا بِهِ لَأَطَقْنَاهُ ، وَلَكِنَّهُ تَفَضَّلَ عَلَيْنَا وَرَحِمَنَا ، وَخَفَّفَ عَنَّا ، وَلَمْ يَجْعَلْ علينا في الدين من حرج . ويجاب عن هذا الإشكال بما تقدم : أن المراد الطاقة التي من نحو التوفيق ، لا من جهة التمكن وسلامة الآلات ، لكن في الْعِبَارَةِ قَلَقٌ ، فَتَأَمَّلْهُ . وَقَوْلُهُ : " وَكُلُّ شَيْءٍ يَجْرِي بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَعِلْمِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ " . يُرِيدُ بِقَضَائِهِ الْقَضَاءَ الْكَوْنِيَّ لَا الشَّرْعِيَّ ، فَإِنَّ الْقَضَاءَ يَكُونُ كونيا وشرعيا ، وكذلك الإرادة
هامش
( 1 ) المؤمنون 71 ( 2 ) البقرة 185 ( 3 ) النساء 28 ( 4 ) الحج 78