وَلَا يَجُوزُ فِي الْحِكْمَةِ أَنْ يُكَلِّفَهُ بِحَمْلِ جَبَلٍ بِحَيْثُ لَوْ فَعَلَ يُثَابُ وَلَوِ امْتَنَعَ يُعَاقَبُ ، كَمَا أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا .
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : يَجُوزُ تَكْلِيفُ الْمُمْتَنَعِ عَادَةً ، دُونَ الْمُمْتَنَعِ لِذَاتِهِ ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ وَجُودُهُ ، فَلَا يُعْقَلُ الْأَمْرُ بِهِ ، بِخِلَافِ هَذَا .
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : مَا لَا يُطَاقُ لِلْعَجْزِ عَنْهُ لَا يَجُوزُ تَكْلِيفُهُ ، بِخِلَافِ مَا لَا يُطَاقُ لِلِاشْتِغَالِ بِضِدِّهِ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَكْلِيفُهُ . وَهَؤُلَاءِ مُوَافِقُونَ لِلسَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ فِي الْمَعْنَى ، لَكِنَّ كَوْنَهُمْ جَعَلُوا مَا يَتْرُكُهُ الْعَبْدُ لَا يُطَاقُ لِكَوْنِهِ تَارِكًا لَهُ مُشْتَغِلًا بِضِدِّهِ - بِدْعَةٌ فِي الشَّرْعِ وَاللُّغَةِ . فَإِنَّ مَضْمُونَهُ أَنَّ فِعْلَ مَا لَا يَفْعَلُهُ الْعَبْدُ لَا يُطِيقُهُ !
وَهُمُ الْتَزَمُوا هَذَا ، لِقَوْلِهِمْ : إِنَّ الطَّاقَةَ - الَّتِي هِيَ الِاسْتِطَاعَةُ وَهِيَ الْقُدْرَةُ - لَا تَكُونُ إِلَّا مَعَ الْفِعْلِ ! فَقَالُوا : كُلُّ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ فِعْلًا ، فَإِنَّهُ لَا يُطِيقُهُ ! وَهَذَا خِلَافُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ ، وَخِلَافُ مَا عَلَيْهِ عَامَّةُ الْعُقَلَاءِ ، كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ عِنْدَ ذِكْرِ الِاسْتِطَاعَةِ .
وَأَمَّا مَا لَا يَكُونُ إِلَّا مُقَارِنًا لِلْفِعْلِ ، فَذَلِكَ لَيْسَ شَرْطًا فِي التَّكْلِيفِ ، مَعَ أَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ إِنَّمَا هُنَاكَ إِرَادَةُ الْفِعْلِ . وَقَدْ يَحْتَجُّونَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ } ( 1 ) . { إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا } ( 2 ) . وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ إِرَادَةُ مَا سَمَّوْهُ اسْتِطَاعَةً ، وَهُوَ مَا لَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ الْفِعْلِ ، فَإِنَّ اللَّهَ ذَمَّ هَؤُلَاءِ عَلَى كَوْنِهِمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ ، وَلَوْ أَرَادَ بِذَلِكَ الْمُقَارِنَ لَكَانَ جَمِيعُ الْخَلْقِ لَا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ قَبْلَ السَّمْعِ ! فَلَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ هَؤُلَاءِ بِذَلِكَ مَعْنًى ، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ لِبُغْضِهِمُ الْحَقَّ وَثِقَلِهِ عَلَيْهِمْ ، إِمَّا حَسَدًا لِصَاحِبِهِ ، وَإِمَّا اتِّبَاعًا لِلْهَوَى - لَا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ . وَمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَا يَسْتَطِيعُ الصَّبْرَ ، لِمُخَالَفَةِ ما يراه
هامش
( 1 ) هود 20
( 2 ) الكهف 67