{ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ } ( 1 ) . وَالْمُرَادُ : اسْتِطَاعَةُ الْآلَاتِ وَالْأَسْبَابِ . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ : « صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ » . وَإِنَّمَا نَفَى اسْتِطَاعَةَ الْفِعْلِ مَعَهَا .
وَأَمَّا دَلِيلُ ثُبُوتِ الِاسْتِطَاعَةِ الَّتِي هِيَ حَقِيقَةُ الْقُدْرَةِ ، فَقَدْ ذَكَرُوا فِيهَا قَوْلَهُ تَعَالَى : { مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ } ( 2 ) . وَالْمُرَادُ نَفْيُ حَقِيقَةِ الْقُدْرَةِ ، لَا نَفْيُ الْأَسْبَابِ وَالْآلَاتِ ، لِأَنَّهَا كَانَتْ ثَابِتَةً . وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ زِيَادَةُ بَيَانٍ عِنْدَ قَوْلِهِ : " وَلَا يُطِيقُونَ إِلَّا مَا كَلَّفَهُمْ " ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَكَذَا قَوْلُ صَاحِبِ مُوسَى : { إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا } ( 3 ) . وَقَوْلُهُ : { أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا } ( 4 ) وَالْمُرَادُ مِنْهُ حَقِيقَةُ قُدْرَةِ الصَّبْرِ ، لَا أَسْبَابُ الصَّبْرِ وَآلَاتُهُ ، فَإِنَّ تِلْكَ كَانَتْ ثَابِتَةً لَهُ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ عَاتَبَهُ عَلَى ذَلِكَ ؟ وَلَا يُلَامُ مَنْ عَدِمَ آلَاتِ الْفِعْلِ وَأَسْبَابِهِ عَلَى عدم الفعل ، وإنما يلام من امتنع من الفعل لتضييع قُدْرَةَ الْفِعْلِ ، لِاشْتِغَالِهِ بِغَيْرِ مَا أُمِرَ بِهِ ، أو [ لعدم ] شغله إياها بفعل مَا أُمِرَ بِهِ ( 5 ) . وَمَنْ قَالَ : إِنَّ الْقُدْرَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا حِينَ الْفِعْلِ - يَقُولُونَ : إِنَّ الْقُدْرَةَ لَا تَصْلُحُ لِلضِّدَّيْنِ ، فَإِنَّ الْقُدْرَةَ الْمُقَارِنَةَ لِلْفِعْلِ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِذَلِكَ الْفِعْلِ ، وَهِيَ مُسْتَلْزِمَةٌ لَهُ ، لَا تُوجَدُ بِدُونِهِ .
وَمَا قَالَتْهُ الْقَدَرِيَّةُ - بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمُ الْفَاسِدِ ، وَهُوَ إِقْدَارُ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ وَالْبَرِّ وَالْفَاجِرِ سَوَاءٌ ، فَلَا يَقُولُونَ إِنَّ اللَّهَ خَصَّ الْمُؤْمِنَ الْمُطِيعَ بِإِعَانَةٍ حَصَّلَ بِهَا الْإِيمَانَ ، بَلْ هَذَا بِنَفْسِهِ رَجَّحَ الطاعة ، وهذا بنفسه رجح المعصية ! كالوالد
هامش
( 1 ) النساء 25
( 2 ) هود 20
( 3 ) الكهف 67
( 4 ) الكهف 75
( 5 ) في المطبوعة « أو شغله إياها . . » ! وهو تهافت في القول ، غير مستقيم ، من خطأ الناسخين ، فصححناه ما استطعنا