وَعَدْلٌ ، فَمَنْعُهُ لِلْأَسْبَابِ الَّتِي هِيَ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ مِنْ حِكْمَتِهِ وَعَدْلِهِ . وَأَمَّا الْمُسَبِّبَاتُ بَعْدَ وُجُودِ أَسْبَابِهَا ، فَلَا يَمْنَعُهَا بِحَالٍ ، إِذَا لَمْ تَكُنْ أَسْبَابًا غَيْرَ صَالِحَةٍ ، إِمَّا لِفَسَادٍ فِي الْعَمَلِ ، وَإِمَّا لِسَبَبٍ يُعَارِضُ مُوجِبَهُ وَمُقْتَضَاهُ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ لِعَدَمِ الْمُقْتَضِي ، أَوْ لِوُجُودِ الْمَانِعِ . وَإِذَا كَانَ مَنْعُهُ وَعُقُوبَتُهُ مِنْ عَدَمِ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ ، وهو لم يعط ذلك ابتلاء وابتداء إلا حِكْمَةً مِنْهُ وَعَدْلًا . فَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْحَالَيْنِ ، وَهُوَ الْمَحْمُودُ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، كُلُّ عَطَاءٍ مِنْهُ فَضْلٌ ، وَكُلُّ عُقُوبَةٍ مِنْهُ عَدْلٌ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكِيمٌ يَضَعُ الْأَشْيَاءَ فِي مَوَاضِعِهَا الَّتِي تَصْلُحُ لَهَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } ( 1 ) . وَكَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ } ( 2 ) . ونحو ذلك . وسيأتي لهذا زيادة ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
قَوْلُهُ : ( وَالِاسْتِطَاعَةُ الَّتِي يَجِبُ بِهَا الْفِعْلُ ، مِنْ نَحْوِ التَّوْفِيقِ الَّذِي لا يجوز أن يُوصَفُ الْمَخْلُوقُ بِهِ - تَكُونُ مَعَ الْفِعْلِ . وَأَمَّا الِاسْتِطَاعَةُ مِنْ جِهَةِ الصِّحَّةِ وَالْوُسْعِ ، وَالتَّمْكِينِ وَسَلَامَةِ الْآلَاتِ - فَهِيَ قَبْلَ الْفِعْلِ ، وَبِهَا يَتَعَلَّقُ الْخِطَابُ ، وَهُوَ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا } ( 3 )
ش : الِاسْتِطَاعَةُ وَالطَّاقَةُ وَالْقُدْرَةُ وَالْوُسْعُ ، أَلْفَاظٌ مُتَقَارِبَةٌ ، وَتَنْقَسِمُ الِاسْتِطَاعَةُ إِلَى قِسْمَيْنِ ، كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَهُوَ الْوَسَطُ . وَقَالَتِ الْقَدَرِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ : لَا تَكُونُ الْقُدْرَةُ إِلَّا قَبْلَ الْفِعْلِ . وَقَابَلَهُمْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ فَقَالُوا : لَا تَكُونُ إِلَّا مَعَ الْفِعْلِ .
وَالَّذِي قَالَهُ عَامَّةُ أَهْلِ السُّنَّةِ : أَنَّ لِلْعَبْدِ قُدْرَةً هِيَ مَنَاطُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ، وَهَذِهِ
هامش
( 1 ) الأنعام 124
( 2 ) الأنعام 53
( 3 ) البقرة 286