تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 424

مساهمون:

ص٤٢٤
وَأَدِلَّتُكُمْ هَذِهِ إِنَّمَا تَدُلُّ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ . وَأَمَّا احْتِجَاجُكُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ } ( 1 ) ، فأثبتم سُوءِ فَهْمِكُمْ مَعْنَى الْآيَةِ ، وَاحْتِجَاجُكُمْ بِهَا عَلَى عَدَمِ وُجُودِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ الْآنَ - نَظِيرُ احْتِجَاجِ إخوانكم بها عَلَى فَنَائِهِمَا وَخَرَابِهِمَا وَمَوْتِ أَهْلِهِمَا ! ! فَلَمْ تُوَفَّقُوا أَنْتُمْ وَلَا إِخْوَانُكُمْ لِفَهْمِ مَعْنَى الْآيَةِ ، وَإِنَّمَا وُفِّقَ لِذَلِكَ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ . فَمِنْ كَلَامِهِمْ : أَنَّ الْمُرَادَ " كُلُّ شَيْءٍ " مِمَّا كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْفَنَاءَ وَالْهَلَاكَ " هَالِكٌ " ، وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ خُلِقَتَا لِلْبَقَاءِ لَا لِلْفَنَاءِ ، وَكَذَلِكَ الْعَرْشُ ، فَإِنَّهُ سَقْفُ الْجَنَّةِ . وَقِيلَ : الْمُرَادُ إِلَّا مُلْكَهُ . وَقِيلَ : إِلَّا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُهُ . وَقِيلَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أنزل : { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ } ( 2 ) ، فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ : هَلَكَ أَهْلُ الْأَرْضِ ، وَطَمِعُوا فِي الْبَقَاءِ ، فَأَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ أَهْلِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَنَّهُمْ يَمُوتُونَ ، فَقَالَ : { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ } ( 3 ) ، لِأَنَّهُ حَيٌّ لَا يَمُوتُ ، فَأَيْقَنَتِ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ ذَلِكَ بِالْمَوْتِ . وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ تَوْفِيقًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ النُّصُوصِ الْمُحْكَمَةِ ، الدَّالَّةِ عَلَى بَقَاءِ الْجَنَّةِ ، وَعَلَى بَقَاءِ النَّارِ أَيْضًا ، عَلَى مَا يُذْكَرُ عَنْ قَرِيبٍ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَقَوْلُهُ : " لَا تَفْنَيَانِ أَبَدًا وَلَا تَبِيدَانِ " - هَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْأَئِمَّةِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ . وَقَالَ بِبَقَاءِ الجنة وقال بفناء النَّارِ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ، وَالْقَوْلَانِ مَذْكُورَانِ فِي كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَغَيْرِهَا . وَقَالَ بِفَنَاءِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ الْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ إِمَامُ الْمُعَطِّلَةِ ، وَلَيْسَ لَهُ سَلَفٌ قَطُّ ، لَا مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا مِنَ التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ ، وَلَا مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ . وَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ عَامَّةُ أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَكَفَّرُوهُ بِهِ ، وَصَاحُوا بِهِ وَبِأَتْبَاعِهِ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ . وَهَذَا قَالَهُ لِأَصْلِهِ الْفَاسِدِ الَّذِي اعْتَقَدَهُ ، وَهُوَ امْتِنَاعُ وُجُودِ مَا لَا يَتَنَاهَى مِنَ الْحَوَادِثِ ! وَهُوَ عُمْدَةُ أَهْلِ الْكَلَامِ الْمَذْمُومِ ، الَّتِي اسْتَدَلُّوا بِهَا عَلَى حُدُوثِ الْأَجْسَامِ ، وَحُدُوثِ مَا لَمْ يَخْلُ مِنَ الْحَوَادِثِ ، وَجَعَلُوا ذَلِكَ عُمْدَتَهُمْ فِي حُدُوثِ العالم . فرأى الجهم أن ما يمنع
هامش
( 1 ) القصص 88 ( 2 ) الرحمن 26 ( 3 ) القصص 88