وَنَظَائِرُ ذَلِكَ فِي السُّنَّةِ كَثِيرَةٌ .
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْجَنَّةَ الْمَوْعُودَ بِهَا هِيَ الْجَنَّةُ الَّتِي كَانَ فِيهَا آدَمُ ثُمَّ أُخْرِجَ مِنْهَا - فَالْقَوْلُ بِوُجُودِهَا الْآنَ ظَاهِرٌ ، وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مَعْرُوفٌ .
وَأَمَّا شُبْهَةُ مَنْ قَالَ : إِنَّهَا لَمْ تُخْلَقْ بَعْدُ ، وَهِيَ : أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَخْلُوقَةً الْآنَ لَوَجَبَ اضْطِرَارًا أَنْ تَفْنَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَنْ يَهْلَكَ كُلُّ مَنْ فِيهَا وَيَمُوتَ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ } ( 1 ) . و { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ } ( 2 ) .
وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ ، مِنْ حَدِيثِ ابن مسعود ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ ، عَذْبَةُ الْمَاءِ ، وَأَنَّهَا قِيعَانٌ ، وَأَنَّ غِرَاسَهَا سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ » ، قَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ .
وَفِيهِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ : « مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ ، غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ » ، قَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، قَالُوا : فَلَوْ كَانَتْ مَخْلُوقَةً مَفْرُوغًا مِنْهَا لَمْ تَكُنْ قِيعَانًا ، وَلَمْ يَكُنْ لِهَذَا الْغِرَاسِ مَعْنًى . قَالُوا : وَكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى عَنِ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ أَنَّهَا قَالَتْ : { رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ } ( 3 ) .
- فَالْجَوَابُ : إِنَّكُمْ إِنْ أَرَدْتُمْ بِقَوْلِكُمْ إِنَّهَا الْآنَ مَعْدُومَةٌ بِمَنْزِلَةِ النَّفْخِ فِي الصُّوَرِ وَقِيَامِ النَّاسِ مِنَ الْقُبُورِ ، فَهَذَا بَاطِلٌ ، يَرُدُّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ وَأَمْثَالِهَا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ ، وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّهَا لَمْ يَكْمُلْ خَلْقُ جَمِيعِ مَا أَعَدَّ اللَّهُ فِيهَا لِأَهْلِهَا ، وَأَنَّهَا لَا يَزَالُ اللَّهُ يُحْدِثُ فِيهَا شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ، وَإِذَا دَخَلَهَا الْمُؤْمِنُونَ أَحْدَثَ اللَّهُ فِيهَا عِنْدَ دُخُولِهِمْ أُمُورًا أُخَرَ - فَهَذَا حَقٌّ لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ ،
هامش
( 1 ) القصص 88
( 2 ) آل عمران 185
( 3 ) التحريم 11