مِنْكُمْ مُسْتَنًّا فَلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ فَإِنَّ الْحَي لَا تُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْفِتْنَة ، أُولَئِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَانُوا أَفْضَلَ هَذِهِ الْأُمَّة ، أَبَرَّهَا قُلُوبًا ، وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا ، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا ، قَوْمٌ اخْتَارَهُمُ اللَّهُ لِصُحْبَة نَبِيِّه وَإِقَامَة دِينِه ، فَاعْرَفُوا لَهُمْ فَضْلَهُمْ ، وَاتَّبِعُوهُمْ فِي آثَارِهِمْ ، وَتَمَسَّكُوا بِمَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ وَدِينِهِمْ ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهَدْى الْمُسْتَقِيمِ ) . وَسَيَأْتِي لِهَذَا الْمَعْنَى بَيَانٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، عِنْدَ قَوْلِ الشَّيْخِ : " وَنَرَى الْجَمَاعَة حَقًّا وَصَوَابًا ، وَالْفُرْقَة زَيْغًا وَعَذَابًا " .
قوله : ( وَنُحِبُّ أَهْلَ الْعَدْلِ وَالْأَمَانَة ، وَنُبْغِضُ أَهْلَ الْجَوْرِ وَالْخِيَانَة ) .
ش : وَهَذَا مِنْ كَمَالِ الْإِيمَانِ وَتَمَامِ الْعُبُودِيَّة ، فَإِنَّ الْعِبَادَة تَتَضَمَّنُ كَمَالَ الْمَحَبَّة وَنِهَايَتَهَا ، وَكَمَالَ الذُّلِّ وَنِهَايَتَه . فَمَحَبَّة رُسُلِ اللَّهِ وَأَنْبِيَائِه وَعِبَادِه الْمُؤْمِنِينَ مِنْ مَحَبَّة الله ، وَإِنْ كَانَتِ الْمَحَبَّة لَا يَسْتَحِقُّهَا غَيْرُهُ ( 1 ) ، فَغَيْرُ اللَّهِ يُحَبُّ فِي اللَّهِ ، لَا مَعَ اللَّهِ ، فَإِنَّ الْمُحِبَّ يُحِبُّ ، مَحْبُوبُه ، وَيُبْغِضُ مَا يُبْغِضُ ، وَيُوَالِي مَنْ يُوَالِيه ، وَيُعَادِي مَنْ يُعَادِيه ، وَيَرْضَى لِرِضَائِه ، وَيَغْضَبُ لِغَضَبِه ، وَيَأْمُرُ بِمَا يَأْمُرُ بِهِ ، وَيَنْهَى عَمَّا يَنْهَى عَنْهُ ، فَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَحْبُوبِه فِي كُلِّ حَالٍ .
وَاللَّهُ تَعَالَى يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ، وَيُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ، وَيُحِبُّ التَّوَّابِينَ ، وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ، وَنَحْنُ نُحِبُّ مَنْ يحَبَّه اللَّهُ . وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ، وَلَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ، وَلَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ، وَنَحْنُ لَا نُحِبُّهُمْ أَيْضًا ، وَنُبْغِضُهُمْ ، مُوَافَقَة له سبحانه وتعالى .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَة الْإِيمَانِ : مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ، وَمَنْ كَانَ يُحِبُّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّه إِلَّا لِلَّهِ ، وَمَنْ كَانَ يَكْرَه أَنْ يَرْجِعَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَه اللَّهُ مِنْهُ ، كَمَا يَكْرَه أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ » .
هامش
( 1 ) في المطبوعة « التي لا يستحقها غيره » . وكلمة « التي » يضطرب بها المعنى ، فرأينا أنها خطأ ، فحذفناها