فَالْمَحَبَّة التَّامَّة مُسْتَلْزِمَة لِمُوَافَقَة الْمَحْبُوبِ فِي مَحْبُوبِه وَمَكْرُوهِه ، وَوِلَايَتِه وَعَدَاوَتِه . وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَنْ أَحَبَّ اللَّهَ الْمَحَبَّة الْوَاجِبَة فَلَا بُدَّ أَنْ يُبْغِضَ أَعْدَاءَه ، وَلَا بُدَّ أَنْ يُحِبَّ مَا يُحِبُّه مِنْ جِهَادِهِمْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ } ( 1 ) . وَالْحُبُّ وَالْبُغْضُ بِحَسَبِ مَا فِيهِمْ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ ، فَإِنَّ الْعَبْدَ يَجْتَمِعُ فِيهِ سَبَبُ الْوِلَايَة وَسَبَبُ الْعَدَاوَة ، وَالْحُبُّ وَالْبُغْضُ ، فَيَكُونُ مَحْبُوبًا مِنْ وَجْه مَبْغُوضًا مِنْ وَجْه ، وَالْحُكْمُ لِلْغَالِبِ . وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْعَبْدِ عِنْدَ اللَّهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ يُحِبُّ الشَّيْءَ مِنْ وَجْه وَيَكْرَهُه مِنْ وَجْه آخَرَ ، كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّه عَزَّ وَجَلَّ : « وَمَا تَرَدَّدْتُ فِي شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُه تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ ، يَكْرَه الْمَوْتَ ، وَأَنَا أَكْرَه مَسَاءَتَه ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ » . فَبَيَّنَ أَنَّهُ يَتَرَدَّدُ ؛ لِأَنَّ التَّرَدُّدَ تَعَارُضُ إِرَادَتَيْنِ ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُحِبُّ مَا يُحِبُّ عَبْدُه الْمُؤْمِنُ ، وَيَكْرَه مَا يَكْرَهُه ، وَهُوَ يَكْرَه الْمَوْتَ فَهُوَ يَكْرَهُه ، كَمَا قَالَ : " وَأَنَا أَكْرَه مَسَاءَتَه " ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ قَضَى بِالْمَوْتِ ، فَهُوَ يُرِيدُ كَوْنَه ، فَسَمَّى ذَلِكَ تَرَدُّدًا ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِ ذَلِكَ ، إِذْ هُوَ مُفْضِ إِلَى مَا هُوَ أَحَبُّ مِنْهُ .
قَوْلُهُ : ( وَنَقُولُ : اللَّهُ أَعْلَمُ ، فِيمَا اشْتَبَه عَلَيْنَا عِلْمُه ) .
ش : تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ مَا سَلِمَ فِي دِينِه إِلَّا مَنْ سَلَّمَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلِرَسُولِه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَرَدَّ عِلْمَ مَا اشْتَبَه عَلَيْهِ إِلَى عَالِمِه . وَمَنْ تَكَلَّمَ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَإِنَّمَا يَتَّبِعُ هَوَاه ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ } ( 2 ) . وَقَالَ تَعَالَى : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ } { كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى }
هامش
( 1 ) سورة الصَّفِّ آية 4
( 2 ) سورة الْقَصَصِ آية 50