وَالْوَلِي : خِلَافُ الْعَدُوِّ ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْوَلَاءِ ، وَهُوَ الدُّنُوُّ وَالتَّقَرُّبُ ، فَوَلِي اللَّهِ : هُوَ مَنْ وَالَى اللَّهَ بِمُوَافَقَتِه مَحْبُوبَاتِه ، وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ بِمَرْضَاتِه ، وَهَؤُلَاءِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ : { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا } { وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ } ( 1 ) . قَالَ أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَمَّا نَزَلَتِ الْآيَةُ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « يَا أَبَا ذَرٍّ ، لَوْ عَمِلَ النَّاسُ بِهَذِه الْآيَةِ لَكَفَتْهُمْ » ( 2 ) . فَالْمُتَّقُونَ يَجْعَلُ اللَّهُ لَهُمْ مَخْرَجًا مِمَّا ضَاقَ عَلَى النَّاسِ ، وَيَرْزُقُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُونَ ، فَيَدْفَعُ اللَّهُ عَنْهُمُ الْمَضَارَّ ، وَيَجْلِبُ لَهُمُ الْمَنَافِعَ ، وَيُعْطِيهِمُ اللَّهُ أَشْيَاءَ يَطُولُ شَرْحُهَا ، مِنَ الْمُكَاشَفَاتِ وَالتَّأْثِيرَاتِ .
قَوْلُهُ : ( وَأَكْرَمُهُمْ عِنْدَ الله أَطْوَعُهُمْ وَأَتْبَعُهُمْ لِلْقُرْآنِ ) .
ش : أَراد أَكْرَمُ الْمُؤْمِنِينَ هُوَ الْأَطْوَعُ لِلَّهِ ، وَالْأَتْبَعُ لِلْقُرْآنِ ، وَهُوَ الْأَتْقَى ، وَالْأَتْقَى هُوَ الْأَكْرَمُ ، قَالَ تَعَالَى : { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } ( 3 ) . وَفِي السُّنَنِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : « لَا فَضْلَ لِعَرَبِي عَلَى عَجَمِي ، وَلَا لِعَجَمِي عَلَى عَرَبِي ، وَلَا لِأَبْيَضَ عَلَى أَسْوَدَ ، وَلَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَبْيَضَ ، إِلَّا بِالتَّقْوَى ، النَّاسُ مِنْ آدَمَ ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ » . وَبِهَذَا الدَّلِيلِ يَظْهَرُ ضَعْفُ تَنَازُعِهِمْ فِي مَسْأَلَةِ الْفَقِيرِ الصَّابِرِ وَالْغَنِي الشَّاكِرِ ، وَتَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ ، وَأَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ التَّفْضِيلَ لَا يَرْجِعُ إِلَى ذَاتِ الْفَقْرِ وَالْغِنَى ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ إِلَى الْأَعْمَالِ وَالْأَحْوَالِ وَالْحَقَائِقِ ، فَالْمَسْأَلَة فَاسِدَة فِي نَفْسِهَا . فَإِنَّ التَّفْضِيلَ عِنْدَ اللَّهِ بِالتَّقْوَى وَحَقَائِقِ الْإِيمَانِ ، لَا بِفَقْرٍ وَلَا غِنًى . وَلِهَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : الْغِنَى وَالْفَقْرُ مَطِيَّتَانِ ، لَا أُبَالِي أَيُّهُمَا رَكِبْتُ . وَالْفَقْرُ وَالْغِنَى ابْتِلَاءٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِعَبْدِه ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي }
هامش
( 1 ) سورة الطَّلَاقِ الآيتان 2 ، 3
( 2 ) رواه بنحوه الإمام أحمد ، مطولا ، كما في تفسير ابن كثير 8 : 388
( 3 ) سورة الْحُجُرَاتِ آية 13