وَهُمْ نُقَّادُ الْأَخْبَارِ ، وَصَيَارِفَة الْأَحَادِيثِ . فَإِذَا وَقَفَ الْمَرْءُ عَلَى هَذَا مِنْ شَأْنِهِمْ ، وَعَرَفَ حَالَهُمْ ، وَخَبَرَ صِدْقَهُمْ وَوَرَعَهُمْ وَأَمَانَتَهُمْ - ظَهَرَ لَهُ الْعِلْمُ فِيمَا نَقَلُوه وَرَوَوْه .
وَمِنْ لَهُ عَقْلٌ وَمَعْرِفَة يَعْلَمُ أَنَّ أَهْلَ الْحَدِيثِ لَهُمْ [ مِنَ ] الْعِلْمِ بِأَحْوَالِ نَبِيِّهِمْ وَسِيرَتِه وَأَخْبَارِه ، مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ بِهِ شُعُورٌ ، فَضْلًا أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا لَهُمْ أَوْ مَظْنُونًا . كَمَا أَنَّ النُّحَاة عِنْدَهُمْ مِنْ أَخْبَارِ سِيبَوَيْه وَالْخَلِيلِ وَأَقْوَالِهِمَا مَا لَيْسَ عِنْدَ غَيْرِهِمْ ، وَعِنْدَ الْأَطِبَّاءِ مِنْ كَلَامِ بُقْرَاطَ وَجَالِينُوسَ مَا لَيْسَ عِنْدَ غَيْرِهِمْ ، وَكُلُّ ذِي صَنْعَة هُوَ أَخْبَرُ بِهَا مِنْ غَيْرِهِ ، فَلَوْ سَأَلْتَ الْبَقَّالَ عَنْ أَمْرِ الْعِطْرِ ، أَوِ الْعَطَّارَ عَنِ الْبَزِّ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ! ! لَعُدَّ ذَلِكَ جَهْلًا كَثِيرًا .
وَلَكِنَّ النُّفَاة قَدْ جَعَلُوا قَوْلَهُ تَعَالَى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } ( 1 ) - مُسْتَنَدًا لَهُمْ فِي رَدِّ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة ، فَكُلَّمَا جَاءَهُمْ حَدِيثٌ يُخَالِفُ قَوَاعِدَهُمْ وَآرَاءَهُمْ ، وَمَا وَضَعَتْه خَوَاطِرُهُمْ وَأَفْكَارُهُمْ - رَدُّوه بِ { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } ( 2 ) ، [ تَلْبِيسًا مِنْهُمْ وَتَدْلِيسًا ] ( 3 ) عَلَى مَنْ هُوَ أَعْمَى قَلْبًا مِنْهُمْ ، وَتَحْرِيفًا لِمَعْنَى الْآي عَنْ مَوَاضِعِه .
فَفَهِمُوا مِنْ أَخْبَارِ الصِّفَاتِ مَا لَمْ يُرِدْه اللَّهُ وَلَا رَسُولُهُ ، وَلَا فَهِمَه أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّة الْإِسْلَامِ ، أَنَّهُ يَقْتَضِي إِثْبَاتُهَا التَّمْثِيلَ بِمَا لِلْمَخْلُوقِينَ ! ثُمَّ اسْتَدَلُّوا عَلَى بُطْلَانِ ذَلِكَ بِ { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } ( 4 ) تَحْرِيفًا لِلنَّصَّيْنِ ! ! وَيُصَنِّفُونَ الْكُتُبَ ،
هامش
( 1 ) سورة الشُّورَى آية 11
( 2 ) سورة الشُّورَى آية 11
( 3 ) في الأصل : ( تلبسا منهم وتلبيسا ) . والصواب ما أثبتناه من سائر النسخ . ن
( 4 ) سورة الشُّورَى آية 11