{ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ } ( 1 ) . فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ فِي حَالِ إِسَاءَتِهِ يَعْمَلُ حَسَنَاتٍ تَمْحُو سَيِّئَاتِهِ . وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ .
وَالْمُعْتَزِلَةُ مُوَافِقُونَ لِلْخَوَارِجِ هُنَا فِي حُكْمِ الْآخِرَةِ ، فَإِنَّهُمْ وَافَقُوهُمْ عَلَى أَنَّ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ مخلد في النار ، قَالَتِ الْخَوَارِجُ : نُسَمِّيهِ كَافِرًا ، وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ : نُسَمِّيهِ فَاسِقًا ، فَالْخِلَافُ بَيْنَهُمْ لَفْظِيٌّ فَقَطْ .
وَأَهْلُ السُّنَّةِ أَيْضًا مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْوَعِيدَ الْمُرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ الذَّنْبِ ، كَمَا وَرَدَتْ بِهِ النُّصُوصُ . لَا كَمَا يَقُولُهُ الْمُرْجِئَةُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ ذَنْبٌ ، وَلَا يَنْفَعُ مَعَ الْكُفْرِ طَاعَةٌ ! وَإِذَا اجْتَمَعَتْ نُصُوصُ الْوَعْدِ الَّتِي اسْتَدَلَّتْ بِهَا الْمُرْجِئَةُ ، وَنُصُوصُ الْوَعِيدِ الَّتِي اسْتَدَلَّتْ بِهَا الْخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ - : تَبَيَّنَ لَكَ فَسَادُ الْقَوْلَيْنِ ! وَلَا فَائِدَةَ فِي كَلَامِ هَؤُلَاءِ سِوَى أَنَّكَ تَسْتَفِيدُ مِنْ كَلَامِ كُلِّ طَائِفَةٍ فَسَادَ مَذْهَبِ الطائفة الأخرى .
ثم بعد هذا الاتفاق تبين أن أَهْلِ السُّنَّةِ اخْتَلَفُوا خِلَافًا لَفْظِيًّا ، لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فَسَادٌ ، وَهُوَ : أَنَّهُ هَلْ يَكُونُ الْكُفْرُ عَلَى مَرَاتِبَ ، كُفْرًا دُونَ كُفْرٍ ؟ كَمَا اخْتَلَفُوا : هَلْ يَكُونُ الْإِيمَانُ عَلَى مَرَاتِبَ ، إِيمَانًا دُونَ إِيمَانٍ ؟ وَهَذَا اخْتِلَافٌ نَشَأَ مِنَ اخْتِلَافِهِمْ فِي مُسَمَّى " الْإِيمَانِ " : هَلْ هُوَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ ، أَمْ لَا ؟ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ مَنْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ كَافِرًا نُسَمِّيهِ كَافِرًا ، إِذْ مِنَ الْمُمْتَنِعِ أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْحَاكِمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزِلَ اللَّهُ كَافِرًا ، وَيُسَمِّيَ رَسُولُهُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ كَافِرًا - وَلَا نُطْلِقُ عَلَيْهِمَا اسْمَ " الْكُفْرِ " . وَلَكِنْ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ - قَالَ : هُوَ كُفْرٌ عَمَلِيٌّ لَا اعْتِقَادِيٌّ ، وَالْكُفْرُ عِنْدَهُ عَلَى مَرَاتِبَ ، كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ ، كَالْإِيمَانِ عِنْدَهُ .
وَمَنْ قَالَ : إِنَّ الْإِيمَانَ هُوَ التَّصْدِيقُ ، وَلَا يَدْخُلُ الْعَمَلُ فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ ، وَالْكُفْرُ هُوَ الْجُحُودُ ، وَلَا يَزِيدَانِ وَلَا يَنْقُصَانِ - قَالَ : هُوَ كُفْرٌ مَجَازِيٌّ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ ، إِذِ الْكُفْرُ الْحَقِيقِيُّ هو الذي ينقل
هامش
( 1 ) سورة هود آية 114 .