تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧
فَطَائِفَةٌ تَقُولُ : لَا نُكَفِّرُ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ أَحَدًا ، فَتَنْفِي التَّكْفِيرَ نَفْيًا عَامًّا ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ فِي أَهْلِ الْقِبْلَةِ الْمُنَافِقِينَ ، الَّذِينَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ أَكْفَرُ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ ، وَفِيهِمْ مَنْ قَدْ يُظْهِرُ بَعْضَ ذَلِكَ حَيْثُ يُمْكِنُهُمْ ، وَهُمْ يَتَظَاهَرُونَ بِالشَّهَادَتَيْنِ . وَأَيْضًا : فَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الرَّجُلَ لَوْ أَظْهَرَ إِنْكَارَ الْوَاجِبَاتِ الظَّاهِرَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ ، وَالْمُحَرَّمَاتِ الظَّاهِرَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ ، فَإِنْ تَابَ ، وَإِلَّا قُتِلَ كَافِرًا مُرْتَدًّا . وَالنِّفَاقُ وَالرِّدَّةُ مَظِنَّتُهُمَا الْبِدَعُ وَالْفُجُورُ ، كَمَا ذَكَرَهُ الْخَلَّالُ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ ، بِسَنَدِهِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ أَسْرَعَ النَّاسِ رِدَّةً أَهْلُ الْأَهْوَاءِ . وَكَانَ يَرَى هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ : { وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ } ( 1 ) . وَلِهَذَا امْتَنَعَ كَثِيرٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ عَنْ إِطْلَاقِ الْقَوْلِ بِأَنَّا لَا نُكَفِّرُ أَحَدًا بِذَنْبٍ ، بَلْ يُقَالُ : لَا نُكَفِّرُهُمْ بِكُلِّ ذَنْبٍ . كَمَا تَفْعَلُهُ الْخَوَارِجُ . وَفَرْقٌ بَيْنَ النَّفْيِ الْعَامِّ وَنَفْيِ الْعُمُومِ ، وَالْوَاجِبُ إِنَّمَا هُوَ نَفْيُ الْعُمُومِ ، مُنَاقَضَةً لِقَوْلِ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ بِكُلِّ ذَنْبٍ . وَلِهَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - قَيَّدَهُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ : " مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ " . وَفِي قَوْلِهِ : " مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ " إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مُرَادَهُ مِنْ هَذَا النَّفْيُ الْعَامُّ لِكُلِّ ذَنْبٍ ، الذُّنُوبُ الْعَمَلِيَّةُ لَا الْعِلْمِيَّةُ . وَفِيهِ إِشْكَالٌ فَإِنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَكْتَفِ مِنَ الْمُكَلَّفِ فِي الْعَمَلِيَّاتِ بِمُجَرَّدِ الْعَمَلِ دُونَ الْعِلْمِ ، وَلَا فِي الْعِلْمِيَّاتِ بِمُجَرَّدِ الْعِلْمِ دُونَ الْعَمَلِ ، وَلَيْسَ الْعَمَلُ مَقْصُورًا عَلَى عَمَلِ الْجَوَارِحِ ، بَلْ أَعْمَالُ الْقُلُوبِ أَصْلٌ لِعَمَلِ الْجَوَارِحِ ، وَأَعْمَالُ الْجَوَارِحِ تَبَعٌ . إِلَّا أَنْ يُضَمَّنَ قَوْلُهُ : " يَسْتَحِلُّهُ " بِمَعْنَى : يَعْتَقِدُهُ ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ . وَقَوْلُهُ : " وَلَا نَقُولُ لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ ذَنْبٌ لِمَنْ عَمِلَهُ " إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ ، رَدٌّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ : لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ ذَنْبٌ ، كَمَا لا ينفع مع الكفر طاعة .
هامش
( 1 ) سورة الأنعام آية 68 .
شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 297 | ابن أبي العز الحنفي / جماعة من العلماء