فَإِنْ قَالُوا : بَلْ عُلُوُّ الْمَكَانَةِ لَا الْمَكَانِ ؟ فَالْمَكَانَةُ : تَأْنِيثُ الْمَكَانِ ، وَالْمَنْزِلَةُ : تَأْنِيثُ الْمَنْزِلِ ، فَلَفْظُ " الْمَكَانَةِ وَالْمَنْزِلَةِ " تُسْتَعْمَلُ فِي الْمَكَانَاتِ النَّفْسَانِيَّةِ وَالرُّوحَانِيَّةِ ، كَمَا يُسْتَعْمَلُ لَفْظُ " الْمَكَانِ وَالْمَنْزِلِ " فِي الْأَمْكِنَةِ الْجُسْمَانِيَّةِ ، فَإِذَا قِيلَ : لَكَ فِي قُلُوبِنَا مَنْزِلَةٌ ، وَمَنْزِلَةُ فُلَانٍ فِي قُلُوبِنَا وَفِي نُفُوسِنَا أَعْظَمُ مِنْ مَنْزِلَةِ فُلَانٍ ، كَمَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ : " إِذَا أَحَبَّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَعْرِفَ كَيْفَ مَنْزِلَتُهُ عِنْدَ اللَّهِ ، فَلْيَنْظُرْ كَيْفَ مَنْزِلَةُ اللَّهِ فِي قَلْبِهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ يُنَزِّلُ الْعَبْدَ مِنْ نَفْسِهِ حَيْثُ أَنْزَلَهُ الْعَبْدُ مِنْ قَلْبِهِ " . فَقَوْلُهُ : " مَنْزِلَةُ اللَّهِ فِي قَلْبِهِ " : هُوَ مَا يَكُونُ فِي قَلْبِهِ مِنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَمَحَبَّتِهِ وَتَعْظِيمِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، فَإِذَا عُرِفَ أَنَّ " الْمَكَانَةَ وَالْمَنْزِلَةَ " : تَأْنِيثُ الْمَكَانِ وَالْمَنْزِلِ ، وَالْمُؤَنَّثُ فَرْعٌ عَلَى الْمُذَكَّرِ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى ، وَتَابِعٌ لَهُ ، فَعُلُوُّ الْمِثْلِ الَّذِي يَكُونُ فِي الذِّهْنِ يَتْبَعُ عُلُوَّ الْحَقِيقَةِ ، إِذَا كَانَ مُطَابِقًا كَانَ حَقًّا ، وَإِلَّا كَانَ بَاطِلًا .
فَإِنْ قِيلَ : الْمُرَادُ عُلُوُّهُ فِي الْقُلُوبِ ، وَأَنَّهُ أَعْلَى فِي الْقُلُوبِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ - قِيلَ : وَكَذَلِكَ هُوَ ، وَهَذَا الْعُلُوُّ مُطَابِقٌ لِعُلُوِّهِ فِي نَفْسِهِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِيًا بِنَفْسِهِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ، كَانَ عُلُوُّهُ فِي الْقُلُوبِ غَيْرَ مُطَابِقٍ ، كَمَنْ جَعَلَ مَا لَيْسَ بِأَعْلَى أَعْلَى .
وَعُلُوُّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كَمَا هُوَ ثَابِتٌ بِالسَّمْعِ ، ثَابِتٌ بِالْعَقْلِ وَالْفِطْرَةِ . أَمَّا ثُبُوتُهُ بِالْعَقْلِ ، فَمِنْ وُجُوهٍ :
أَحَدُهَا : الْعِلْمُ الْبَدِيهِيُّ الْقَاطِعُ بِأَنَّ كُلَّ مَوْجُودَيْنِ ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا سَارِيًا فِي الْآخَرِ قَائِمًا بِهِ كَالصِّفَاتِ ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَائِمًا بِنَفْسِهِ بَائِنًا مِنَ الْآخَرِ .
الثَّانِي : أَنَّهُ لَمَّا خَلَقَ الْعَالَمَ ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ خَلَقَهُ فِي ذَاتِهِ أَوْ خَارِجًا عَنْ ذَاتِهِ ، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ : أَمَّا أَوَّلًا : فَبِالِاتِّفَاقِ ، وَأَمَّا ثَانِيًا : فَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلْخَسَائِسِ وَالْقَاذُورَاتِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا . وَالثَّانِي : يَقْتَضِي كَوْنَ الْعَالَمِ وَاقِعًا خَارِجَ ذَاتِهِ ، فَيَكُونُ مُنْفَصِلًا ، فَتَعَيَّنَتِ الْمُبَايَنَةُ ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِالْعَالَمِ وَغَيْرُ مُنْفَصِلٍ عَنْهُ - غَيْرُ مَعْقُولٍ .
الثَّالِثُ : أَنَّ كَوْنَهُ تَعَالَى لَا دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ - : يَقْتَضِي نَفْيَ وَجُودِهِ
شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 269
مساهمون: ابن أبي العز الحنفي
ص٢٦٩